تقوى علي الحداد تكتب: لا تظن أنك تعرفني!


حياتي عبارة عن كذبة كبيرة
أزينها بكذبات صغيرة
ألونها بادعاءات أصغر .
أرتق أشرعة الوقت بضحكات مستعارة ،
تجعل النوم على الوسادة المحشوة بالرصاص الجزء الأجمل من يوم ثقيل الظل ...
فلا تظن أنك تعرفني!
***
أنت لا تعرف
كيف أنتعل بخفة قرطي الأبكم كل صباح
كيف أرتب شعري الأشعث ببطء مبالغ فيه
كيف أرص كلمات غير متناسقة
أحشوها حشوا
أكتم أنفاسها عساها تصير قصيدة ،
فتسيل من بين يدي جثث لرجال يفترض أن يكونوا قد مروا من هنا ذات صباح.
أنت لا تعرف كيف أورق من العطش
كيف يزهر مشمشي في الليالي الباردة الخاوية
كيف يتناثر اللوز من عرائش قلبي الشاغرة في اتجاه المدارات الحارة ،
في الطريق بين الثلج و النار أبوح بأسراري للغرباء
ألون شفاهي بالأخضر البرتقالي ،
لأن الشفاه الملونة أصدق في رواية تفاصيل الرجال الذين قتلوا
و للغرباء فقط أبوح بأسراري .
أنت طبعا لست معنيا بهذا
لا أفكر في القتل إلا بقدر ما أكون مضطرة لذلك
لم تضطرني يوما لفعل شيء ما.
فلا تظن أنك تعرفني!
***
يدي الناعمة ما تزال ملطخة بالأخضر البرتقالي
لم أفعل شيء
فقط ،
قتلت جاري الجديد صاحب المعطف الطويل الداكن في قصيدة مطولة البارحة ،
عاتبته كثيرا قبلها لكنه لم يأبه لرسائلي.
لم أتعمد قتله طبعا ،
لم أحتج سببا لأفعل
رغم أن لون معطفه كان قاتما مستفزا و طوله لم يكن مناسبا لقامة قصيدتي
لم أفعل ،
لم أقتل ثقيل الظل فعلا
ربما كانت مجرد مزحة ثقيلة
أ و،
مجرد حادث .
تعثرت بالزر المغلف بصمت معطفه الداكن،
لم أسقط لكنني لم أبرع في الإتزان على دقة واحدة .
كل ما في الأمر أنني ،
لم أفقه شيئا في قانون الجاذبية
إلى أن صورني تحت جلده و أهدى الصورة لأخرى.
لم يهدني شيء ،
لم يصطحبني لأماكن ازورها لأول مرة .
لم يقرأ لي قصيدة غزل واحدة .
لم يقاسمني حزنه و ما تبقى من الليل .
لم يحدث شيء .
لم أعرف بعد معنى أن أجد نفسي مورطة ، في محاولة قتل احتمال منبعث من رحم السراب.
فلا تظن أنك تعرفني!
***
أنت لا تعرف كيف أنزوي كل مساء
في ركن من الصحراء مظلم ،
تحت جناح عقاب ينتظر سقوطي
كيف تتساقط جروحي المطعمة بالملح ،
أنت لا تعرف شيئا عن طوفان الملح ببرك الدم الراكدة بين شراييني و أوردتي .
تلك الندوب التي لم تسمع بها أبدا ،
لأن عمر الندوب أطول من عمر الراوي و عمر الحكاية.
أنزف كي لا أسقط...
لست مخيرة في ذلك
إنها معادلة الوجع في العمر المنثور هباء.
لم تعرف يوما كيف أقلب المواجع،
كيف أطهوها على مهل تماما كما أطهو وجبتي المفضلة ،
ثم أسكبها في قوالب الصابون البلاستيكية الجاهزة .
أملك أيضا ترف تحويلها إلى
نجمات لا تطولها أيدي العابثين
صدفة
زهرة
فقاعات صابون عطرة،
ضحكات رنانة أفقأ بها عين الملل
قلب مهيأ للحزن بطبيعته
أو أغنيات ترددها النسوة يوم الرحيل الأخير.
فلا تظن أنك تعرفني!
***
حاولت مرارا أن أفهمك أن ما بيننا حقيقي جدا ،
لكنه ليس صادقا أبدا .
لم تصدق و لم تفهم.
حاولت مرة واحدة أن أتشبث بك بيدي الناعمة،
عندما أردت أن أعيد الكرة صارت يدي خشنة .
منحتك من الوقت ما يكفي لتعرف
أنني امرأة تجيد قتل الوقت بأكثر من طريقة ،
و تجيد قتل جميع الرجال بالطريقة ذاتها .
بترت أصابعي في حرب باردة
حاربت فيها العالم من أجل رجل لا أنتمي إليه ،
كانت كل أسلحتي احتمالات مبتورة .
ودعت دفاتري و أقلامي،
أحرقت آخر قصاصاتي ،
وتوسدت عتبات زمن لم يعد صالحا للعيش.
لا شيء لدي لأخسره،
أفلست بما يكفي لأعلن أنني امرأة لم تعد صالحة للحب ،
و أنك رجل لم يكن منذ البداية صالحا
لا للحب
لا للحرب
و لا لأشياء أخرى.
لذلك لا أفكر كثيرا كل ليلة قبل أن أتوسد حماقاتي ،
قبل أشيع الراحلين
أو أستقبل القادمين على مهل .
يكفي أن أتأكد أنه ثمة مكان شاغر في المقبرة الشاسعة يسار قفصي الصدري
لأغرق في صمت قناديلي الكفيفة
وحيدة
عميقة
خفيفة
كشهوة بلا ذاكرة .
فلا تظن أنك تعرفني!
***
حياتي عبارة عن مجازفات كبيرة تنتهي عادة بموت صغير
أحاول بعده أن أسرق من وجه الزمن العابس
بسمة ألون بها عمرا افتراضيا ،
يمر أسرع من أن يمنحني فرصة أخيرة للنجاة .
أجازف بحياتي ألاف المرات و لا أموت ،
لا تقتلني الوجوه المتساقطة من ذاكرة بعمر السراب.
لا تقتلني الأيادي المرتعشة التي تمتد لي مجاملة بعد فوات الأوان.
لا الأسماء الباهتة التي لم تعد تعني لي شيئا .
ولا الساقطين من القلب سهوا ،
امرأة مثلي لا تموت بهذه السهولة أبدا .
فلا تظن أنك تعرفني!

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق