سالار كلالي وأرشد العاصي يكتبان: حوار العاشقين بين الوطن والمنفى



1
روتردام ـ أربيل 

سالار: أرشد العاصى .. الدنيا هُنا غارقة فى أجمل المعاصي.
عاصي: آهٍ كم أتمنى أن أسافر إلى تلك الأماكن.

سالار: الأماكن هنا متبسمة لـ معاصيكَ.
عاصي: أفكّر أن أهجّ إليهنّ.

سالار: المعاصى في قمة الرّوعة المتمايلة و تجدُ ما تشعرُ و تمدحُ فى أغانيكَ الشعريّة، تجدهنّ مثل أمواج البحارِ تصدمكَ و يذهب قلبكَ ويتبعثر إلى هالاتٍ لن يكونَ له مأوى.
عاصي: وأنا المتعطش لأمواجهنّ يا صديقي .

سالار: تتبحّر موجة موجة مع عطور العشق المُنبثقة إلى أعمقِ أعماق وجودكَ المُنحدر نحو هاوية الجماليّات اللامحدودة، ترى وردة تتلألأ فى سماءكَ مثل النجوم و لا تسطيع أن تصعد إليها مهما حاولتَ لأنك ترى جمالاً يفوقُ ما تربّع في أفكارنا منذ سنين، يا تُرى إن كانَ (نالى) لو عايشَ جماليّات (روتردا) ما كانَ حالهُ، أما كان يغرقُ و يفنى نفسهُ فى أنهارها، أم كانَ يجد محبوبة المحبوبات.

عاصي: أشتهي الغرقَ في تموّج غدائرهنَ وأستنشقُ أريج الأنوثة فأيسري الذي يتلظى جذوة يهيمُ بذاك المُخمل النديف المُسترخي في ضفاف النهدِ و الأصداف المخبوءة التي كسَنا البرقِ تشهقُ مخيلتي لألملمَ العُمر في قُبلة و أمضي إلى فراديس النشوة.

سالار: محبوبات النالية .. قد تخيّمنَ بلآلئ متراصنة تستدعي طوال عمركَ فى البحث بينهنّ، كي تعلمَ أيهنّ من قمة المَحبوبات النالية ..!
إذا رأيتني فـ تراني بلا قلب .. لقد فقدتُ قلبي هُنا، كلّ واحدة منهنّ قد أخذت بضعة منه، إلا بضعة لعذابات التشرّدِ تكراراً و مراراً.

عاصي: آهٍ .. وهل أجدُ عفراء قلبي هُناك، أنا السندباد الماردُ الذي يبحث عن قصيدتهِ المُغطى بأطواق الياسمينِ و لُجَين الكلمات، و تشرقُ لوناً عَسجديّاً لتُهلكني قبل الرّحيل الأخير في دوّامة جنونٍ آخر.
*****

2
روتردام ـ أربيل 

سالار: هناكَ آلاف العذارى و ليتَ بعذارى التى فى أذهاننا .. العذراوات مختلفة الأعاذير .
عاصي: تعني عذارى تشبهنَ القصائد الأندلسيّة، جاءت فتنتهنّ من زمانٍ آخر لتسطّرنَ رحيلنا ببهجةٍ على آلة الصُلب.

سالار: أكثر بكثير .. كلّ واحدةٍ منهنَّ لها من جماليّاتٍ ثابتة و فتنة ..عندما تراها ساكنة تغرقكَ في بحرٍ من الجمال السكونيّ وعندما تتحرّكنَ تتحرك الأكوانُ راقصة مع رقصاتهنّ.
ترى عيوناً تملأ دنياكَ تدفقاً مثل تدفّق القلوب التى لا تعرف النبضات المُستقيمة، تدفقاً تهوي بكَ إلى رفرفات الطيور المتمرّدة التى لا تعرف الرّحيل و ترحل رحلات الغمورِ للمنافي الفانية.

عاصي: إذن هنّ اللواتي تملكنَ كل شبرٍ من أجسامهنّ الملساء قطعةً من اليواقيت و وميض النُجيمات، تهفو جَناني لهنّ على سرجِ سابحٍ كي أفني ما تبقّى من عُمري القصير في لذة السّنا من غياهب أنوثتهنّ و أستبيحُ مُهجتي ألقاً من إخضرارِ شِعبِ بوّان لأمجّد الوَهِلَ بتيجانِ أميرةٍ لَها من الحُسنِ البَشكنجيّ و أريق دماء عشقي كالمنصور أبي عامر .. وأتمتمَ الشهادة و أرحل.

سالار: و هل تستطيعُ الرّحيل ..؟!
أخافُ أن أعرض ما شاهدتهُ كي لا يجنّ جنونُ أصدقائي و إنهدامهم من الداخل إنهداماً لا دواء لهُ، و إلا هُناك من اللواتى تأسركَ ولا ترحمكَ وأنتَ مُرتعد .. تغمزكَ فـ ترتجف .. يا إلهى ما هي تلك القوّة الخفيّة التى تجذبني لأرتوي ولكن لا يروى غلائل صدرى.

عاصي: وما الرّحيل في قواميسي عدا رحلةٍ ببريق الشٌهبِ و رائحة البُنّ في فنجانٍ يتدلّي وريقاتُ الأقحوانِ حوله، أطيرُ كالسنونو بين أزاهيرهنّ و أغرّدُ لشواعر الهوى .. أنا المُشرأبُّ و غليلُ حوبائي جافٌّ كالقفار، و أهرولُ نحو المَنافي التي تُجدي سلسبيلاً لظمأ جَوارحي، إحكي يا صديقي إحكي، فرزايا مأساة الوطنِ أكلت كلّ شئ، إحكي كي نتشدّقَ بالولهِ حتى الإحتراق الأخير.

سالار: انا مُتعبٌ يا عاصي، مُتعب الفكرِ، والرّوحُ تنكمشُ وجداني.

*****

3
روتردام ـ أربيل 

سالار: لا تری للعشقِ حیاةً إذا ما ترتوي من أنهارها .
عاصي: إن الفؤادَ عطشَى و الظمأ يكوي أعطافي .

سالار: ترى عيوناً ساحِرة تخدرُ روحكَ مِئات السّنينْ.
عاصي: آهٍ و آهَينْ .. تلكَ العيونُ التي تغوصُ فيها اللآلئُ و دُرر الهوى، تستبيحُ الرّوحُ و تضرمُها بجَذوة الصّبابةِ حدّ الهلاكْ.

سالار: حدّ الهلاك، و حدّ المَمات، و حدّ الفناء، و حدّ الجنانْ .
عاصي :تراهصُ قلبي من شدّة الوله، أتلَجلجُ سقماً من البعادِ المُفجع، ما أطيبَ ذاكَ المَوت، و ما ألذّ ذاكَ الإحتراقْ.

سالار: أرشد العاصي .. ليتكَ كنتَ معى و تشعرَ بإرهاصي، ترى وردةً قابعة على قلبى و أتعمق فلا أستطيع التناصّ، و أنا بأشدّ الحالة إلى تناصّ العاشقين، ولكن أنا لستُ بعاشق المتناصّات، أتعذّبُ بعذوبةِ المتمايلاتِ الواقفاتِ كالرماح تخترقنَ آفاق وجودي.

عاصي: و آهٍ مرّة أخرى و آهاتٍ تخترقُ قضبانَ صدري و تُزرع في خلجاني و خلجاتي، نعم ليتني كنتُ معكَ و نوّاراتُ "روتردا" تمُرنَ و تصتدنَ لُبّ أحداقنا و البصيرة .. كي ننقشَ اللحظات معاً على لوحاتٍ من قوسِ و قزح التنهيدات الملَأى بأشهى السُلاف، و نُسطّرَ أمجادَ حبٍ في المنفى.

سالار: إذا ترانى و أنا أشقُّ مَوجات الجَمال المتناثرة و عبق العطور، عبقٌ لا تفرّق بينهُ و بينَ إنفتاح الوردة المبتسمة و أريجها نحو جَمال الطبيعة و الكون، و الكون يترنّمُ على إيقاعِ ذلكَ الجمال المُنخفضِ جناحيهِ.

*****
4
روتردام ـ بلجيكا ـ أسطنبول ـ أربيل 

عاصي:
عجباً .. تلك الرائحة النرجسيّة و شذا ريّا الآتية نحو الوطن .. هل يمكنُ جرّاء الإبتسامات الناعمات الحنون على ثغورِ غريراتِ هناك .. تُرى كيف إتّسع هذا القلب الذي بقدْرِ تفاحة أن يُخامر ترانيمهِ بكلّ هذا الوهجِ من الجَمال و تنبُت فيهِ مَشاتلاً من ورودهنّ و دُنيا من عبيرِ نواهدهنّ، و يمُرّ الياسمين فيهنّ بين لحظة و أخرى، وأنا أغنّي تَيهي على مسرح الإحساسات المُلطخة في بيداءِ جناني .. كم من العُمر أدفعُ في سبيلِ أن أرتشفَ فنجان قهوةٍ مع إحداهنّ ذات صباح و أدندنُ لها فيروز وهي في دوّامة صمتٍ مُخجل ﻻ تفقهُ ما أهلوسُ أمام صَرحِ فتنتها فـ تكتفي ببسمةٍ تشبهُ إيماضَ رقصة الأضواءِ في عيون النهر، و آهِ غنجٍ منها أشم فيها عطر الحقولِ بعد المطر .. أيّ ضياعٍ أنا فيهِ يا صديقي في هذا الجحيم.

سالار:
لا أدرى هل أنا فى جحيم الجنّات أتمتّعُ، أم في جنات الجحيم أتعذّب.. أكادُ أن لا أرى بين الجنة و الجحيم إلا النيران .. النارُ ببريقها تمتّعني و بلظاها تعذبُني .. أكادُ أن لا أرى غير لهيبٍ يملئنى.

عاصي:
صديقي .. قلبي يُصاحبكَ حيثُ اللظى تتضرّم، صباح بلجيكا المُضرجة بأنفاس الغانيات اللواتي تتدفقُ لون السنابلِ من شَعرهن، و يلقي الفتى المهووسُ بندى شهدهنّ حتف أوراق زهرات اللوزِ مع أديُمِ هذا الرّبيع العاطر .. أشواقي معكَ لفلقةِ التفاحاتِ في الخدود وأصدافهنّ المَخبوءة التي تتلألأ بأوجِ زينة الحدائقِ مَلأى بروائح الجنة والبخور .

سالار:
مرحباً أيّها العاشقُ العَصيّ على اللا جمال .. من بحارِ أسطنبول إلى أنهارِ أسكى شهر.

عاصي:
مرحباً أيّها الحاملُ من بلادٍ هُناك نسمات عيون الغواني و الغريرات .. مرحباً و أنتَ الغارقُ الآن بشهدِ أسطنبول والرياح العطرة من أزقتها الشاهقة بالحُسن الخرافي و صباياها المرشوشاتِ بأزكى الروائح.

الله يا صديقي .. كم أتلهّفُ أن أستنشقَ نسائم هذه البحار، وأشمّ مسكَ نواهد نساء مدينتها مع بزوغ شمسها في الأصابيح.

سالار:
أكتب سطوركَ المعبّقة بالورود .. أكتب بنسائم النهود.

عاصي:
أكتب و أكتب ولن تنتهي قصتي مع الكتابة .. أكتب و أقرأ .. ذهبت يا صديقي إلى معرض الكتاب و أنا ألمح الكتب وأشم رائحة الورق و عطر الصبايا يمر في الأرجاء و أغرق في العناوين المنخرطة بالصبو وإنصهار الجذب، إقتنيت (ترانيم الغواية) و حضنتُ (طوق الياسمين) و مع (ساق الريح) سافرتُ إلى خمائل (أوراق الزيتون) و (ليتها تقرأ) .. (الثورة الأنثى) يا صديقي .. عبقُ (قصة حب في بلادٍ ممزقة) جرجرني نحو سطر ندي (تلك صورتها وهذا إنتحار العاشق) .. آهٍ كم تشرأبّ القلب لمطر هذا الشوق ليُرينا الوجه الآخر من الهوى .. وغداً نلتقي على إخضرار عُشبِ هذه الرحلة العنقاء.

سالار: أكتب لنموت عشقاً.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق