عماد بشار يكتب: سيجارة



الحوذيُّ يبتسم
فيصهلُ الحصانُ الاسودُ، على مرأى عينيهِ تبدو الحياةُ رقعةَ شطرنجٍ، يعبرُ الملوك والوزراء، يحاولُ مُنذُ ولادتهِ أن يُحاصِرَ أرنباً سميناً، يقفز أمامهُ كأصابعِ عازف البيانو، يدخلُ الأغنيةَ من بواباتها المائية، يزرعُ في كتفِ الحربِ بُرتقالةً ثم يُدندنُ وحدهُ في فناءِ الغياب، تسألهُ المسافةُ: إلى أين؟؟
يصمتُ، يصمتُ، يصمتُ...
تسألهُ جارتهُ السمينة: متى تعود؟
يصمتُ، يصمتُ، يصمتُ...
يسألهُ الصمتُ: من أين أتيتَ؟
يبكي، يبكي، يبكي..
يخرجُ خلفَ الصِغار الذين يلعبونَ بفزاعةِ الحقلِ الجنوبي، وقبلَ غروبِ الأبتسامةِ ينظرُ إلى عقاربِ ساعتهِ، ما زال الوقت مبكِّراً كي اعودَ إلى حُضنِ زوجتي، فيجلس على ضفّةِ النهرِ ويعزفُ وَجَعهُ، يحاولُ أن يُغيّرَ ايقاعَ التساقُطِ، فيَجمعُ الاوراقَ تحتَ شجرةِ التوتِ ويُلصِقُها على جِدار الاُمنيات، ويقودُ الحصانَ على مهلٍ، يجرُّ عربتهُ ويصفّرُ في الدوربِ، يحوِّلُ الغبارَ إلى أنشودة ٍكي تُغادِرَ العصافيرُ العَمياءُ قبلَ بزوغِ الحربِ، يرسمُ في جهةِ الشمالِ قُبلةً لحبيبةٍ تسكن ُ في جنوب ذاكرتهِ، يبتسمُ الحوذيُّ، يبكي الحصانُ، تئِنُ عجلاتُ العربة، يسافرُ الطريقُ، الزنابقُ في الغربةِ تشبهُ الكواكب، تضيئُ في الليلِ ولكن النحلَ نائمٌ، العطرُ حفيدُ الرحيق، يُغنّي..
يعدُّ على أصابعِ يديهِ اليسرة خنادق َ الجُرذان، ولكنها أكثرُ من مقابرِ المدينة، فيبكي، يرسمُ دمعةً في الجهةِ الغربية ويُغادِرُ، تتبعُهُ  العصافيرُ وأزهارُ الافيون، الحياةُ انشودةٌ كتبها الفلاحُ على ظهرِ رقعةِ الشطرنج.. يبتسم.
يعدُّ على أصابعِ ذاكرتهِ السنابل، ولكنها اكثرُ من مقابرِ المدينة.. يحفرُ قبراً صغيراً ويدفنُ فيهِ سيجارةً، يرشُّ عليهِ بعضاً من الفودكا ويرحل.
يبسم الحوذيُّ، يدخنُ سيجارةً و ينامُ تحت َ شجرةِ الدُرّاقِ، يحلمُ بِحياةٍ بعدَ الحرب، فيرى في الحلمِ بُرعماً ينبتٌ في هيروشيما، وزهرةً تتفتحُ في مقبرةٍ تحتَ شجرةِ تينٍ في جنوبِ شنكال.. يبكي، يمسحُ دموعهُ، يبتسم.. يرسمُ وطناً للنازحين ثم يختفي في الظِلال.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق