البشير مليحا يكتب: واقع مرهون بالآمال والآلام

قد نكون مجرد لحظة عابرة في رقعة جغرافية لا دخل لنا في تحديدها، ونكون دوي ذاكرة ممتلئة، أخدت من التجارب الشيئ الوفير، لكن ما لا يمكن أن نكون، هو العيش في جميع الأزمان ومراقبة كل الأحداث، لأن الزمن يتحرك ويبدو أنه بطيئ الحركة، يجعلنا نتناسى أن ما نحن عليه اليوم، حتما لن نصير عليه بعد مدة من حركة الزمن. و"لن نصير عليه" معناه أننا قد نتدخل في تحديد ما يجب أن نكون عليه غدا، وبالتالي قد نسرع من حركة الزمن أوقد نختصره، في هذه الحالة تحضر الإرادة الجماعية ، والتخطيط والوعي وأكثر من ذلك كله تحديد الهدف والتنفيد السريع. كما أن " لن نصير عليه " قد تعني في ثاني حالاتها أننا لن نتدخل في تحديد ما يجب أن نكون عليه غدا، في ظل منطق التسيير بإذن من الماضي طبعا، ذلك التسيير المعكوس علينا من طرف نظام كان لحركة الزمن السريعة تارة والبطيئة تارة أخرى والمرتبطة تارة ثالثة بالماضي، كان لها دخل في وضع هيكله ومضمونه، نظام يأخد هيكله من القانون كمنظم للبشر( الحيوانات العاقلة ) في إطار الإجتماع البشري المحكوم برقعة جغرافية محددة، كما يأخد مضمونه من الكيفية التي يجب أن يكون عليها هذا الإجتماع. وإذا أردنا أن نحدد موقعنا في ظل هذه الحالة الثانية أي في ظل الإرتكان إلى حركة الزمن البطيئة، سنكون مجرد بيادق تحركها أيادي حديدية تستعين بأدبيات ترويض الغضب، لأننا في نظرهم مجرد وسائل تتأثر ولا تؤثر، تؤدي ولا تستفيد، تلاحظ ولا تشارك، وتصمت ولا تتكلم، شبيهة بجنود يتم تعويض اسمهم الكامل برقم العقدة ( الماتريكيل ) ولأننا محكومون بهيكلة قانونية تبدو للمتفحص شبيهة بمبادئ المدينة الفاضلة، والتي توفي أفلاطون وهو يحاول وضع ملامسها الأخيرة، هيكلة معززة بقوة منظمة ومجهزة اعتادت على مغازلة التسعة والسبعين (سجنا) التي في مجملها تحوي طوابير ممن قادهم وعيهم بويلات الزمن البطيئ وبواقع بطيئ، إلى الأداء الكلي، هو أداء يبدو لهم، ولهم منطقيا لكن في الحقيقة هم أكباش فداء ليس إلا، والغريب أنهم لا زالو ينتظرون البقية التي للأسف أثقنت وتثقن سياسة التماطل، والتخادل المحتكم إلى جهل مقدس، أبسط ما يطلبه هو الخلود الدنيوي المستقبلي المرتهن بفردانية نرجسية، أوالتي ألفت الإتكالية في شأن تحديد مصيرها، والأفضع من ذلك كله، هي تلك الفئة التي أرعبها " النظام " فاستسلمت، فمرضت، ثم ماتت بعد ذلك وفي صمت داخلي… لكن بين هذا وذاك، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن يوجد ما هو خفي وغير بائن، ويوجد ما يبعث على التناقض هو ما يسمونه " الكولسة السياسية "، مرتاديها لهم وجوه الحرابين، وفكرهم لا يعدو أن يكون منمطا وفي أقصى درجاته عبدا مأمورا يثقن التنفيد دون أن يسأل: ما هذا؟ أو، لماذا؟ ولأن أساسه هو فن الكلام الثابث والساكن دون حركة، ينتج في زمن الدروة لافتة كتب عليها: بعد شهر ستنتهي الأشغال، أي قبل الإنتخابات بعشرة أيام، ويبدو أن هذا النوع من السياسة قد وجد رغد عيشه في بقايا الزمن البطيئ التي أكل عليها وشرب الشيوخ والمريدون حتى صارت ملكهم دون منازع، يذكرونني بزمن السيبة وكأن القانون الذي صار الكل يتحدث عنه بكل جرأة ملكهم لوحدهم، حتى صاروا يوجهونه على هواهم، وليس فقط القانون بل حتى المغلوبين على أمورهم صاروا ملكهم. إنه منطق البيع والشراء، وأي منطق؟ إنه منطق الحساب وهو منطق من لا ضمير له، فكم من المرات تجدهم يتغنون بالمصلحة العامة، وكأنهم سيحولون طريق السيارات إلى ورود تمنع اتساخ عجلاتها. فقد تناسو أنهم مجرد (كراكيز) تظن نفسها على هواها لكن ما هي بذلك، حتى أنهم لا يفقهون في السياسة شيئا لأنهم دخلوها وتمثلاتهم عنها ظلت حبيسة الربح المادي وبجميع الوسائل، عن أي أخلاق تتحدثون وعن أي تسامح تتحدث يا عبد الكبير الخطيبي؟ وعن أي إبتكار لأخلاق سياسية تنظر؟ ألا تعلم أن الأمر صعب، أم أنك ابتعدت عن الميدان والواقع وصرت تعتبر الفرضيات إجابات دون أدنى تحقق؟ على أية حال لن نلومك، فأنت نسيت أن سياستنا غير سياستهم فهم أبناء الزمن السريع، أما نحن فقد (أحببنا) الإستقرار لأنه كما يظن الكثيرين أجمل ما في سياستنا.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق