مضر العباس يكتب: تموز.. لا يغادر الذاكرة



تعود بيّ الذاكرة إلى شهر تمّوز من العام 2006
كانت إسرائيل تقصف لبنان لمدة شهر كامل..
كنت مقيماً في دمشق آنذاك.. 

في تمّوز.. 
هددت إسرائيل بحصارٍ جويٍ على لبنان.. 
وبدأت العائلات اللبنانية بالدخول إلى سوريا بأعداد كبيرة.. 
كانوا يعبرون الحدود بالمئات، وكانت الحدود مفتوحةً أمامهم أبداً.. 
والطريق الدولي ( بيروت دمشق ) صار مزحوماً بالسيارات القادمة من لبنان. 
زحامٌ كبيرٌ يشبه زحام طريق ( بغداد - دمشق ) الدولي عام 2003.
في ذلك الوقت كنت أذهب إلى عملي، وعيوني تمرّ بحزنٍ على السيارات القادمةِ من العراق كانت تفوق السيارات السورية عدداً على ذاك الطريق.. 

المشهد ذاته تكرر على طريق ( بيروت دمشق ) في تمّوز 2006.
شعرت مراراً بالضيق..
إذ كيف دعتهم الحرب ليتركوا بيوتهم وأراضيهم.. يحملون ثيابهم على أجسادهم فقط ، ويخرجون من لبنان تاركين كل جميلٍ فيها خلفهم.. 

كنت أنظر لحالهم وأدعو لهم من قلبٍ خاشعٍ وأصلّي لله كي يفرِّج عنهم و يخفف حزنهم..

أذكر جيداً أن الحكومة في ذلك العام قررت تعليق الدراسة، وفتح الجامعات و المدارس ليسكنها الضيوف القادمين من لبنان..

وعاد لذاكرتي موقف الدمشقيين من هذا القرار ورفضهم للفكرة. 

في تموز ..
قرر غالبية سكان دمشقَ أن: أبناء لبنان هم أهلنا.. 
وأنّهم لن يناموا في المدارس ولا في الجامعات.. 
لسان حالهم آنذاك يصرخ: ببيوتنا مفتوحة لهم.. 
لهم فيها صدور المجالس ولنا الأعتاب  
و " وطعام رجلٍ واحدٍ يكفي اثنين من المتآخين..

في تمّوز ..
انطلق المئات من أرباب البيوت في دمشق إلى المدارس، ليصطحب كل واحدٍ منهم عائلة لبنانية..

في تمّوز صار الكثير من البيوت الدمشقية تضم بدل العائلة عائلتين الأولى عائلةٌ سوريّة والأخرى قادمةٌ من لبنان.. 

في تموز ..
تقاسموا البيوت و الطعام و الحال .. 
تقاسموا الحياة رغم صعوبتها في بعض البيوت الدمشقية لكن " الضيف ضيف " إنما هي أزمةٌ لن تطول، ستنتهي وهذا أكيد و " الناس لبعض " وهذا أكيد. 

في تمّوز.. 
كنّا نتمشى فوق جبل قاسيون، 
كنا نرى أناساً كثر من لبنان ومن دمشق..
هناك في قاسيون يصعب التفريق بين السوريين و اللبنانيين، فاللباس متشابه والوجوه متشابهة واللهجة متشابهة.. 
حتى يحسب من مشى فوق قاسيون أن الكل أبناء دمشق.. 

في تمّوز.. 
لم يقل أحدٌ من أبناء دمشق عن أبناء لبنان أنهم  نازحين أو لاجئين.. 
حتى الإعلام لم يقل ذلك..
اعتبرناهم أبناء سوريا فقط.. 

في تمّوز..
لم يستّغل سوريٌ أحد أبناء لبنان أو عائلات لبنان لأي أمر.. 
لم نقرأ في صحف تموز عن عائلةٍ سوريةٍ تبحث عن خادمةٍ من لبنان  أو العراق..
كما أننا لم نقرأ عن أحدٍ يبحث تسعيرةٍ زهيدةٍ لمهر فتاةٍ لبنانية.. 
لم نقرأ عن مواقع تروّج للزواج من فتيات لبنانيات.. 
في تموز لم نسمح لأطفال لبنان أن يناموا في حرّ الخيام.. 
و لم نقرأ في نشرات الأخبار عن و زيرٍ سوري يطالب ببناء مخيم لأبناء العراق أو لبنان.. 
ببساطة، كل الّذين دخلوا سوريا من أي بلد عربي، دخلوها بصفة مواطنين سوريين ( فقط ) لهم ما لنا من حقوقٍ وعليهم ما علينا من واجبات.. 

في تموز..
لم يطلب من أحد القادمين إلى سوريا إبراز تأشيرة الدخول، ولم تُفرض على الضيوف أي قوانين خاصة.. 

لكل من لم يدخل سوريا يوماً في أيامٍ كانت فيها  بلداً عامراً، ومن لم يختبر يوماً كرم أبنائها و طيبة أهلها..

لكل الّذين لم يجربوا يوماً إنقلاب الموازين، ولم يروا الوجه القبيح للحياة.. 

لمن لم يسمع يوماً أنين الجوع أو شكوى البرد من ثغر طفله، لكل أمٍ لم ينضب الحليب من صدرها بسبب شح الحياة..

لمن لم يرى بيته يهوي أمام ناظريه وهو عاجزٌ عن إنقاذ مقبض بابٍ أو حصاةٍ صغيرةٍ نزف مقابلها أعواماً من الكدّ والتعب، وأحلاماً سرمدية..

مَن منكم جرّب أن يقدم يوماً لعائلته بعضاً من الفرح علّه يواسي فيهم الضعف لكن قوانين البلد المضيف له منعته من ذلك؟

مَن منكم جرّب الوقوف يوماً في طوابير طويلةٍ تؤدي في نهايتها إلى موظف إحصاءٍ لدى إحدى الجمعيات الإنسانية علّه يظفر بما يسد الرمق؟ 

لمن لم يسابقه صراع البقاء على مسح الدموع من عينٍ فقدت أخاً أو طفلاً أو أطيافاً من ذكريات..
لمن لم يجرب يوماً فقدان الوطن..

ما هي إلا أزمةٌ ماضيةٌ إلى نهاية..
وما هو إلا امتحانٌ من الله.. وسينتهي برحمته..
وتبقى سوريا 
وسوريا أكبر من هذا الخراب 
وأكبر من هذا الحزن..


عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق