كريم الشواتي يكتب: نكتة


                                      (1)

في البداية كانت نكتة، وفي النهاية ربما أيضا تكون، والنكتة ليست نكتة، وإنما واقعة حدثت ذات يوم لإهل النكتة.. صناعها أرباب المعاني، ورواتها العتاة والأباطرة، والنكتة لم تكن إلا أن يستيقظ هذا الحشد الكبير، من تاريخ أصوار المدينة العتيقة بفاس، ووكر الرذيلة و الشر، ودروب الحشاشين، كي يؤدي صلاة الفجر!؟، ومنهم من لم يعرف أين مكان المسجد!؟، أو أين اتجاه القبلة!؟، والنكتة ليست أن صلوا حفاة أو شبه عراة، أو وقفوا في الصف أطراف يقظى..أو صلوا أنصاف نيام..، ينسى الواحد منهم حقيقة النسيان..،أو أنه حتى شيء ٱخر غير الإنسان..!؟، يتلو سورة الفاتحة، كأنه يقرأ سورة الرحمان!؟، يقرأ السورة ثانية، ويعود فينساها، وينوي الصلاة مرة أخرى، في منتصف الليل، والناس نيام..!؟ عقله مملوء بالدخان، يسبح في بحر الهذيان، يبيت الليل يسب الدهر..،
و في الصباح يسفر الأحلام!؟..
أكان لابد لي، أكان لابد لي أن أفعل ما فعلت!؟ أكان لابد لي، أكان لابد لي أن أقول ما أقول!؟.. 

           كان يا مكان، كان حتى كان ، كان حتى لم يكن شيئ يستحق أن يكون، حديث عما هو كائن ، أو كلام عما ينبغي أن يكون!؟ 
    ...أصل القول أيها السيدات والسادة، مخبؤ تحت الوسادة، حدث مر كمر السحاب..!؟ وفيلم أذيع لوقت قصير!؟ حديث يفجر صدر الوشاة، ويدوخ بال الحشاشين..، ويضحك ثغر المنفيين ، في الحي أولئك مقصيون، عاشوا حتى سمعوا..، ومكثوا حتى ألفوا قول الشعر، واعتادوا على سرد القصة..، وهم الذين عثروا بالكاد على قالب السكر، وقنينة الزيت، وكيس الدقيق المدعم، و علبة الشاي الصيني الأخضر، 
وفتشوا فيها جيدا حتى وجدوا حكمة اليوم :
"لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف أصطادها " وشربوا عليها  "الدكة" بالصحة والعافية، وعاشوا على وقع  النكتة، فاكتسبوا المناعة ولم يضحكوا، ولم يبكوا حتى...!؟. 

                                         (2)

النكتة انهم صلوا الركعة الأولى في أمان الله، وكذلك الثانية، 
ولم يعد باقيا على انتهاء ركعتي الفجر إلا السجدة الأخيرة، ثم قراءة التحيات والتشهد والتسليم... أما السجود فقد سجدوا.. 
قال الإمام الله أكبر ثم سجدوا ورائه.. 
عشرة صفوف طويلة ملئت الجامع الصغير..، أناس ساجدون..  ومعظمهم لم يقرب الصلاة منذ مدة، ومفاصلهم تصلبت ولم تعد تقوى على أوضاع الصلاة، ورددوا سبحان الله ثلاث مرات..، ولكنهم حين لم يسمعوا "الله أكبر" إيذانا بنهاية السجود من الإمام، بدأ الوسواس الخناس يتجول بكل حرية في صدور الكثير من الناس، يوهمهم أنهم أخطؤوا العدد، وعلى مهل قالوها، ولم تأتي التكبيرة المنتظرة، وأقلية ليست بالقليلة من الناس هي التي بدأت تغمض الجفون وتريح الرؤوس المتعبة من كثرة التفكير، والأمزجة المقلوبة بتدخين الحشيش وشقوف الكيف..، أما الأغلبية الساحقة فقد بدا شيء من الاستغراب يخالجها..، استغراب كان يوحي بالتفاؤل أن الإمام سينطلق حالا بالتكبيرة ويعتدل وينتهي الوضع، وكلما زادت اللحظة في مضيها قدما دون أن تأتي التكبيرة بدأت نقطة الاستغراب بالإتساع شيئا فشئا، وزاد إحساسهم بالذهول..، حتى تأكد للجميع، حتى الأقلية الموسوسة والمستنيمة، أن السجدة قد طالت فعلا، وأنها ليست تباطؤا من الإمام أو تثاقلا يدل على دعاء من نوع خاص.. وزاد تأكد الجميع أنهم ليسوا أمام شيء عابر.. وإنما هم بالتأكيد يواجهون حدثا ما ، لابد أن شيئا قد حدث ومنع الإمام من إتمام السجدة، هنا تحركت الدهشة الفلسفية، وطفت الحقيقة فوق المجاز، وبدا أن كل احتمال جائز وبدأت تدور الأدمغة المنتشية والصاحية ولا تجرؤ على الإعتدال.. تروح وتغدو، متماثلة متناقضة، ماذا حصل؟ أمرض؟ أمات؟ أأغمي عليه؟ أبه مس؟ أيكون أحد من أبناء المدينة القديمة قد أغراه بقطعة حشيش قديمة بدأت تلعب معه لعبة حجر مقص، فقصت النشوة لسانه وكسرت أضلاعه، وخنقت صوته وسكت عن الكلام المباح..!؟ وتعطل عقله عن العمل؟ما ذا حصل؟، ومع ذلك ورغم كل ما حصل..، كانوا متوقعين في كل لحظة تأتي عليهم أن يرتفع صوته بالتكبيرة طاردا كل الهواجس معيدا الثقة إلى أصحابها الذين بدأت عقولهم تسرح وتمرح في متاهات الخيال..

                                        (3)

ولكن وقتا مضى لم يستطع أحد تحديده بالظبط يقدر بين دقيقتين ونصف ساعة.. إذا تجاوزنا مغالات بعض العقول المغيبة وقولهم أنه استمر حتى سمعوا آذان الظهر من جامع القرويين، ناهيك على الذين يصرون على أنهم إلى لآن لا زالوا ساجدين، ولكن المؤكد أن وقتا قد مضى حتى عند أكثرهم غيابا عن الوعي..، أن الإمام  ليس على ما يرام، وأن التكبيرة بالتأكيد لم تصدر لتنهي سجودهم الطويل..، والذي جعل الشخير يتصاعد من بعض الذين تراخت أوصالهم وبدا لعابهم يسيل..، وهنا بدأ يتجسد أمامهم إشكال خطير يواجهه كل واحد منهم لإول مرة في حياته..، ماذا عليه بالضبط أن يفعل؟ وما هو حكم الشرع والدين في هذه النازلة التي ألمت بهم وهم ساجدين؟ وهل إذا رفع أحدهم رأسه ستفسد صلاته ، وربما صلاة الجماعة، ويحمل وزر أخيه؟ وهل يحتمل أن يكون هو دونا عن الساجدين جميعا المتسبب في إفساد الصلاة؟  

                                         (4)

العودة الحديثة لله وحضيرة الدين.. جعلتهم مرة أخرى يرون الله مثلا أمامهم بجنته وناره، ووعده ووعيده، هم كالتلاميذ المشاغبين الذين وجدوا في العودة إلى القسم الخلاص من جحيم التسكع والتيه.. أجل "واييه".. رهبة من الوقوع في الخطأ، أو خوف من الإقدام عليه، مسألة لا يمكن أن يتحملها تائب حديث العهد بالتوبة والتدين مثلهم..أو يفكر فيها حتى.. 
ولكن الوقت بدأ يسير، والوقت القانوني انتهى، ونحن الآن في الوقت بدل الضائع نحتاج لوقت مستقطع لكي نرتب أوراقنا من جديد..!؟ " سبحان الله ".. يقول أحد المصلين.. الذين تطاول عليهم الليل، وطالت عليهم الصلاة، وأصبحت عنده الدقيقة بمقدار السنة، يمتد هذا الوقت ويطول بطول بعض الزغيبات في وجوه بعض الملتحين الذين بدؤوا يتحسسون وجوههم بأناملهم من كثرة القلق ..، وعقولهم مشوشة بأفكار شيطانية تخطر لبعضهم أكثر شرا، بالتأكيد فكرة أن يضحك.. ليس على الوضع الحالي، وإنما على ما يمكن أن يحدث لو أن الشيخ فعلا مات ، أو وافته سنة من النوم.. 
وأنهم سيبقون هكذا ساجدين إلى طلوع الشمس، أو ربما ليوم الدين، ودون أن يكتشف أحدهم ما حدث، فالجامع عندهم مكان غير مطروق، ومجرد المرور بجانبه، يوقظ الضمير، ولكن الذي وقع أن كل الأفكار الشيطانية هزمت وانتصرت الملائكة في هذه الجولة ولم يضحك أحد، وحتى لم يكلف عقله مشقة التفكير في الوضع المضحك، كي لا يخونه صدره العائم بطبعه ويفلت منه الضحك..، و لم يعد هناك أمل لدى المتفائلين، فهم عرفوا أنهم أصبحوا في مأزق، حين بدأ ضوء الشمس يتسلل إليهم وينافس ضوء الكهرباء القليل، وهم الذين بدؤوا الصلاة في جوف الليل.. !؟، الآن باستطاعة كل من في المسجد القسم بطول هذه السجدة طولا غير طبيعي، وأن كل السعلات وكل التنحنحات التي بدأت تتكاثر هنا وهناك، وتتحشرج بها صدور المصلين لم تكن كلها ضربا من ضروب اليقين، بل كان أكثرها تمثيلا في تمثيل...، فمعرفة ما حدث تستلزم رفع الرأس، و رفعه نقض للصلاة، وربما نقض للضوء عند كل المصلين!؟، 
إذن فلينتظر إلى أن يفعلها غيره، ليكون البادي أظلم، وفرق كبير بين ذنب الفاعل الأول، وذنب الفاعل الثاني، أي التابع.. 

                                       (5)

 استمر السجود حتى انتصرت الحقيقة على الوهم، وعلى كل ما اجتاح الرؤوس من احتمالات ومخاوف أو ضحكات، لإن النكتة هنا لم تبدأ، ولم يبدإ الضحك بعد، فلقد عاقبهم الإمام على تقصيرهم وسوء تقديرهم للدين، وضحك عليهم وسفه أحلامهم، وتركهم في سجودهم يخشعون..!؟.. 
وخرج ولم يعد..

يقول :

  " فلنتركهم هنا ساجدين، كل منهم انتصر على شيطانه، ولم يبادر بالمعصية، لنتركهم إذن ساجدين، ذنبهم أنهم ارتادوا الصلاة إرضاء لسيدنا رمضان، كما قيل، فهم مذنبون حقا "

 هكذا بالضبط تركهم الشيخ صلاح الدين إمام مسجد بالنخالين.. 
...... : 

"أكان لا بد لي أن أنتظر ضوء النهار لكي أهرب من هذا الهراء، وأترك الجميع ساجدين: المنتشين وقد طارت بواقتهم وأصبحوا مستيقظين، وأترك المستيقظين نيام..!؟ 
أكان لابد لي..!؟ 
أكان لابد لي أن أفعل ما فعلت!؟

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق