عبدالواحد الزعيم يكتب: حدثتني صغيرتي.. والصغار لا يكذبون (من وحي العدم)



على سرير مثقل بالخيبات.. بين يقظة ونوم، لا حيا كنت ولا ميتا. تسرب إليّ صوت صغيرة، تقول أنها ابنتي. لذا أسميها على اسم حبيبتي.. مريمتي.
صوت من وحي العدم آت، آت على هيأة ملاك يقول:
"لن آت إليكم يا أبي،  لن آت. يا من خنتم جايا أصلكم. نظرتم إلى السماء وتركتم الأرض أمكم، لا السماء بلغتموها ولا الأرض أبقيتموها.. فهلا قامت القيامة على قومكم الذي لا يعرف القيام.
انظروا للذين تلعنوهم جهارا.. أولئك من وقفوا على هذه الأرض، الأرض نفسها التي تطأون. إلا أن أرضهم كانت صلبة أو بالأحرى  كذلك جعلوها؛ بينما أرضكم رخوة وهشة.. تشبه البالون والبالوعة، قد تنفثكم ريحا وقد تغرقكم وحلا.
نظرتم إلى السماء، وصدقتم أن الإله هناك، فصار هو متعاليا مفارقا لكم؛ بينما هم صدقوا أن الإله هنا، فصار محايثا لهم واحدا منهم، وانطلقوا معه ليشيدوا مجدهم.. فملكوا الأرض والسماء. ليس شرفا ولن يكون أن ينتمي الواحد إليكم، فالماغوط صدق يوم قال: "ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربيا".
"آه.. آه يا أبي"، قالت بصوت متهدج. أجبتها: "ما بك؟". نطق صوتها بعد تنهيدة طويلة: "أريد أن أعانقك يا أبي وأنتشلك من الوجود لأسكنك معي العدم. لكنني خائفة يا أبي، خائفة من عروبتكم، التي تثقل كاهل من حل فيكم".
تصمت.. تتقدم خطوة، خطوتين، ثلاث... تأخذ لها مكانا بجانبي.. تضع رأسها بمحاذاة رأسي.. ثم تقول بصوت مخنوق: "لن آت يا أبي، لن آت. فأنا خائفة.. خائفة من العروبة.. فالعروبة وصمة عار.. فالعروبة كافرة.. تكفر بأنانا وتخلق أنا فوق أنانا".
يختفي صوتها للمرة الثانية.. تنقطع أنفاسها. فأخال أنها توارت خلف الكون، أحشر نفسي في نفسي وأناجي السبات العميق.
تعود لتنبعث بداخلي.. تطلق ضحكة صغيرة ساخرة، ثم ثانية أكبر منها فيرددها الصدى. وتردف قائلة:
"أوَ تدري ما الذي يحتاجه هذا القوم؟". أخجل من عدم قدرتي على الجواب، كتلميذ حصل لأول مرة على أضعف الميزات. فتستر الملاك خجلي بصوتها قائلة:
"ذا القوم يا أبي لا يحتاج مفكرا.. ولن يعترف بأفكاره. ذا القوم لا يحتاج شاعرا.. ولن يعترف بمشاعره. ذا القوم لا يحتاج فيلسوفا.. ولن يعترف بفلسفته. ذا القوم يا أبي يحتاج واحدة من إثنين: إما قتل رحيم؛ أو معجزة ".
معجزة !!! "يحتاج محمدا آخر.. يعرج السماء ويأتينا بوصايا ووحيا جديدا، يأتينا برسالة.. رسالة تناقض الرسالة.. رسالة تقلب سافلنا عليانا.. رسالة تقول: فكر باسم عقلك وكف عن أن تفكر باسم القبيلة. رسالة تقول: ضاجع عقلك وكف عن أن تضاجع نساء الكون. رسالة تقول:اجتهد لتحصل على الشرف وكف عن أن تبحث عنه بين فخذي أنثى".
تصمت للمرة الثالثة صمتا رهيبا.. شعرت خلاله بحجم الثقل الجاثم على روحي.. شعرت بآهات مريم وتنهداتها العميقة... أتمت بصوت ضعيف.. بصوت يئن من الألم: "ذا القوم يا أبي يحتاج دجالا، فبالسحر يتداوى المسحور، ذا القوم يا أبي يحتاج محمدا آخر".
اعذرني يا أبي وددت لو آخذك معي لكنني عاجزة.. لم أجلب معي سوى ذراعين صغيرين وبراءتي. وكانت العروبة – عروبتكم - أثقل مما تصورت. ثم حلقت بعيدا عبر النافذة... نهضت من مكاني مثقلا بعروبتي ولا قدم تحملني.. فعلا هي العروبة أثقل مما نتصور.
ها هي الملاك تمتطي الريح وتترك في القلب غصة، شعرت لحظتها بهوة سحيقة بداخلي، ألقيت ببصري على المخذة لأتأكد من واقعية الحلم..  فإذا بالوسادة غارقة في وشل الصغيرة.
 آخر ما قالته، وهي تقف عند المنعطف الأخير الذي يفصل الكون عن اللاكون والوجود عن العدم: "سلّم على أمي وقل لها أني أحبها حبين.. حب بحجم ما تحبها أنت؛ وحب بحجم عدم رغبتها في إنجابي.. فلتبقى على العهد والوعد ليبقى حبي لها حبين. اعذرني يا أبي ولتستبدل تلك الوسادة فما عادت صالحة للنوم، ولا النوم ينفع. لا بأخرى تستبدلها..  بل بكوفية لتنقذ ما تبقى منك. ثم اختفت مع الطيور في زرقة السماء".

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق