وليد الحسين يكتب: البحثُ عن المقابر



ثلاثة أيام و أنا أبحثُ هنا وهناك.. أبحث في كل الإتجاهات.. 
البحث عن مقبرةٍ صغيرة تليق بشخصٍ مثلي المهمة الأسوأ على الإطلاق التي كانت تنتظرني فورَ خروجي من المعتقل.. 
هنا في هذه البلاد المقابر تتشابه في كل شيء.. 
الشواهد موحدة.. 
عرض وطول القبر أيضاً موحد.. 
حتى الحشائشَ التي تنبت لوحدها أيضاً متشابهة.. 
والأسوار المحيطة بها أيضاً.. 
أذكر قبل خروجي من المعتقل بيومٍ واحد أحدهم قال لي.. 
لاتبتسم يا عجوز.. 
فأنت ستخرج من مقبرةٍ كبيرة مظلمة موحشة إلى مقبرةٍ صغيرة.. 
ولكن هذه الأخيرة مقبرةٌ فخمة.. 
حيث كافة وسائل الترفيه موجودة هناك.. 
المراجيح.. 
ألعاب السيارات.. 
والسفن الطائرة.. 
والقطارات الملونة.. 
حتى هناك يوجد قسم للقهاوي بأنواعها.. 
والبارات.. 
ويوجد أيضاً مكانٌ مخصص لممارسة الجنس.. 
هذا المكان تحديداً جعلني أقف طويلاً على رأسي.. 
رأسي الذي أصبح مفلطحَ الشكل.. 
مفلطح ك حبة طماطم حامل بشهرها التاسع.. 
وحتى السجائر هنا مختلفة.. 
طعهما يشبه نبتةَ الصبار.. 
كل هذا جعل من مخيلتي أن تعيد ترتيبها من جديد.. 
زوجتي وأولادي بجانبي ينظرون إلي نظراتٍ فيها الكثير الكثير من الدهشة.. 
والكثير من الخوف والقلق.. 
لأول مرة يشاهدونني و أنا أبحث عن مقبرةٍ.. 
أبحث عنها بقلم إصطحبته معي من المعتقل.. 
أستلقي على ظهري و أسترخي لدقائقَ قليلة.. 
دقائق شعرت وكأنها سنوات طوال.. 
بعدها تحركت من مكاني بهدوءٍ حذر ووقفت على كلتا قدماي وصرخت.. 
صرخت بهم جميعاً.. 
وبنبرةٍ حادة وجافة.. 
إصفعوني على وجهي.. 
هيا إصفعوني بقوة.. 
أريد أن أصحو.. 
أريد مقبرتي.. 
أين هي..؟

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق