إبراهيم بن مدان: الإنسان المقهور من عقدة العار إلى تقديس المظاهر!


علماء الاجتماع الذين قاموا بدراسة الإنسان في المجتمعات المتخلفة لا من حيث علاقته مع ذاته أو في علاقته مع الأخر، خلصوا إلى مجموعة من النتائج لعل أبرزها وهو ما يهمنا هنا في هذا السياق، هو أن هذا الإنسان يركز بدرجة لا توصف على المظاهر والشكليات، لأنه من خلالها يقوم بإخفاء عقدة العار التي تظل تلازمه. هذه العقدة تأتي كمكمل طبيعي لعقدة النقص، فهذا الإنسان بطبيعته يعيش في خجل دائم مع ذاته وينظر لوضعه الاجتماعي باعتباره عارا وجوديا يصعب عليه احتماله، ويظل في حالة من الدفاع والمقاومة مخافة افتضاح أمره وانكشاف عجزه وبؤسه وشقائه.
فالمظاهر بالنسبة إليه هي عبارة عن ستار واقي لبؤسه الداخلي. يقول الباحث مصطفى حجازي في كتابه " التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور " : " إن إنسان العالم المتخلف هو أسير المظاهر مهما كانت سطحيتها ما دامت تخدم غرض التستر على عاره الذاتي"، فهاجس الفضيحة كالفقر، المرض، الشرف... كلها أشياء تهدد مظهره الخارجي الذي من خلاله يقدم نفسه للآخرين ولذلك فهو يحافظ عليه بمشقة بالغة.
الشكليات بطبيعتها تحتل قيمة كبيرة في المجتمعات المتخلفة  كالحديث بلغة أجنبية مع أبناء البلد الواحد على اعتبار أن هذا الإنسان المقهور يرى في الأجنبي نموذجا للتقدم والرقي والحضارة ولذلك هو يحاول ما أمكن يتشبه به من خلال الحديث بلغته، فهو ها هنا يريد أن يظهر نفسه للآخرين كنموذج لذلك الإنسان المثقف الواعي، زد على ذلك التفاخر بالملابس ووسائل النقل والهواتف والتكنولوجية الحديثة حتى أن هناك من يستحي أن يكون لديه هاتف من نوع قديم، وإن كان من طبقة فقيرة فهو يجاهد قدر المستطاع من أجل شراء هاتف ذكي كي يتفاخر به... فالذوبان في منطق الاستهلاك والتفاخر كلها أمور تعبر عن المأزق الوجودي الذي يعيشه إنسان العالم المتخلف، إذ أن التقدم الحقيقي لا يكون في امتلاك الأشياء بقدر ما يكون في صناعتها، فغنى المجتمع لا يقاس بكم ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار على حد تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي.
عالم المستقبليات د.المهدي المنجرة أشار إلى الأزمة المظهرية الحقيقية للمجتمعات المتخلفة قائلا: "سندخل 2014 مازال البعض يظن أن السيارة وسيلة لإظهار المستوى المعيشي و الافتخار و ليست وسيلة للنقل، و مازال البعض يظن أن الملابس وسيلة للإغراء و إظهار النفس و ليست مجرد سترة للنفس..." فأنت إذا دخلت إلى إدارة من الإدارات ولم تكن مرتديا للباس أنيق لوجدت ازدراء من قبل الموظف الذي من المفروض فيه خدمتك، ولو أنت أردت الزواج ولم تكن تمتلك منزلا وسيارة ووظيفة لما استطعت إيجاد فتاة تقبل الزواج منك إلا بمشقة الأنفس، وقس على ذلك الكثير من الأمثلة التي لا يتسع المجال لذكرها.
إن مجتمعاتنا غارقة إلى أذنيها بالمظاهر، بعيدة كل البعد عن جوهر الأشياء وقيمتها الحقيقية، نعشق الشكليات ونقدس البهارج. 
نعم إنها المجتمعات المتخلفة.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق