محمد غفار شحادة يكتب: قصة قصيرة بعنوان 220 فولط


لسنواتٍ عدّة، يمرُّ الضوءُ مسقطاً أمانيه فوق عدّة عتبات، دائماً كان يبقى بابُها مُغلق.. لا ترغب بأن يُفسِد ذاك النور مخلّفات ما تركهُ لها، تُريد تلكَ الغرفة الشاحبة نوراً بقدومِه حتّى ولو كانَ حلماً أو كابوساً..
ما ملّت الأوساخ من نهشِ ملابسها إلى أن مزّقتها، ولا أحد يعلم إن كانَ الفقر يأكلها أم ماذا..!
فقط هم يرون كيفَ تلكَ العشرينيّة قد فارقت الحياة منذُ فراقهِ، فهيَ تُريد فقط إبقاء رائحة آخر أثرٍ لهُ حولَ معطفها وثيابها الداخليّة..! 
إنّه -بنظرها- عطرٌ فوّاح!
هناك.. عندَ عتبةِ غرفتهم وحولَ خزانته حصراً، غبارٌ مغطّى بالغبار، لسنواتٍ طوال تلكَ الفُرشاة مطرودةً من عملها وبلا راتب أو تبديل حتّى، لا يُمكن لأيّ شيء أن يُفسد قدومه..!
كلُّ يومٍ تذهب إلى علبة كهرباء في منزلها وتقطّع أسلاكها وكبلاتها بقواطعها الصفراء، وتضاجعُ القاطعَ بقدميها مكسرةً المصابيح والأضواء الفارغة، إنتقاماً لهُ..!
لسنواتٍ عدّة، الأرضُ تشتاقُ منجلهِ الرماديّ ويديهِ الخضراوتين.. بدأ الورد يعبقُ بكثافةٍ تكريماً لبذوره المعطاءة، تكاثرهُ أصبح لا جنسيّاًً ولا إنشطار حتّى ولا أيّ شيء سوى قدرة القادر..!
ليسَ بوسعها أن تذهب وتشاهد ما حصلَ للأرضِ بعد رحيله، كانت تعتقِد أنّ الجفاف والقحط قد عمّها، وتداركت أمورها بعدَ حين لتعلم أنّ التُرابَ لا يخون، يذكرُ كلَّ خطوةٍ في دربهِ..!
ها هو الهواء الآن يحملُ لها شذرات عطرَهُ الفوّاح، كانت تتساءل إن كان من زهرِ الأوركيدا أو من الفلِّ، أو من ياسمينةِ الدار.. حملت لها تلكَ الغيمة الماطرة آخر ما بقيَ من حبِّ البنّ في عينيه مبعثرةً حبّات الهيل فوقَ حاجبيهِ المعقودين.. متراسٌ من الفقدِ والضياع، كانت دقّات قلبها من ستين إلى تسعين قبلَ أن تفتح السماء أحلامَها من ثغرهِ الورديّ وقلبهِ الأخضر..
رفقاً يا حلم، رفقاً بذاكَ القلب كادَ أن يقِف إجلالاً لك..!
إنّهُ الواقع المُرّ أصبحَ حلواً بقدومِه وها هي تتراقصُ سُكراً وضياعاً وهذيان، خرجت من منزلها وأطاحت أكوام الغبار فوقَ عتبتِها، الجميعُ تراقصَ فرحاً، إنّها عادت للحياة وبيديها الكتاب المقدّس..! 
تسللت إلى المقبرة بحذرٍ كي لا تُوقظهُ، وإتكأت فوقَ مرقدهُ، تتلو بارتياحٍ..
يس، والقرآن الحكيم..!
لبضعِ ساعاتٍ، ها هو العقرب يُلامِس أخيه، بدأَ يخدقُ ذاك الينبوع من بينِ رصاصتيها، ساكباً فوقَ الحجارة المُتّسخة أثراً طويلَ الأمد، وها هي الآن تبلغُ مُناها بذلك لركوبِ القبرِ ترنّّحاًً..!
بدأت تُبعثرُ الرياح صحفِ القرآن مهيئةً لتلك الرّوح ملاذاً آمناً يليقُ بلقائها، تُرى هل سنابل القمح بقيت بلونها الذهبي، أم شابت بعد رحيلهِ؟ هل كحلاوتيها بيضّت؟ أم بقيت ليلاً روحياً يثيرُ الجدل!
ها هو البدر ينشقُّ ليُخرج البدر، انبعثت تلكَ الروح من سريرها الوحشيّ لكي تُظهر لها، ملاكاً فارقها منذُ سنين ثلاث..!
قامَ من ثباته العميق، حقّا قام، ليسَ بشحنةٍ كما مات، ولا حتّى بجهاز الضخّ الكهربائي، قد فرّغ الله له دربه لكي يشفقُ على تلكَ الجفون قليلاً، ها هي الصاعقة تخنقها مجدداً، أنت! و كم كان وحش الشوق يفترسني؟! لم الآن يا روح! لم تصاعدتِ بعدَ مكوثٍ أبديّ..
بدأت يديهِ الناعمتين تحادث وجهها و عنقها الوردي، و تعلو قليلاً على خصلها المتطايرة مكلمةً غروب الشمس:
لي منكِ يا سنبلة القمح، لي لبياضِ وجهكِ الأبديّ.. لمَ هو شاحبٌ كذلك، لم وادي الزمان بدأ يدورُ فيه، أتجاعيدُ العمرِ هذه، أم أنّها تجاعيدُ الحياة؟ 
هل ذهبتِ لشجرةِ الكرز، التي خطّت يدانا عناقيدها الخمريّة؟ 
كلّميها قليلاً، أعتقد أنّها تدلّت الآن وتنتظركِ.. 
أتخشين المرور بذاك الطريق، الذي صرتُ فيه جثّة سوداء؟ أتعتقدين ذلك، السواد ليس سواد الجسد..! 
بدأت تكشفُ الغبار عن مرقده وتلوّح للتراب هل من مجيب فيبقى أثره عالقاً بين البنان، مناها فقط أن تلمسَ الروح التي خاطبتها وتقولُ لها من ياقوتها الوردي ذهبتِ باكراً، فيرتدُّ الصدى..!
ها هي الآن تعودُ لدارها ثقيلةَ الظهر والأعضاء، تجتاحُ الغبار من جديد ، وتدخلُ لمنزلها كئيبةً، ترتمي هي وأحلامها على سريرها الأبديّ عسى أن يظهر لها من جديد..!
وبارتدادِ الزّمان و المكان، لم يبقَ إلّا القليل وستنتقم لهُ من الشحنات هذه، ها هو آخر نورٍ في البيت ذاك يتصاعدُ إلى عينيها وبكلّ وقاحة، تصرخُ بلا صدى، وتذهبُ مسرعةً وتلتقطهُ، لترميهِ في قمامةِ العذاب، تفترسهُ من جديد بقدميها وتُعمى إلى اللا نهاية..! 
لأيّام طويلة ظلّت تعاشر الظلام ووحشتَهُ دون أن تلد منهُ ظلّاً يليقُ بوجنتها، ها هو الغشاء الأبيض يسيرُ فوقَ عينيها كلصٍّ أحبَّ ذاك البريق اللامع فسلبهُ..! 
رأس أمّها قد انكبَّ لليالٍ عدّة في قيامِ الليل والنهار يسجدُ لربّه الأعلى، طالباً صبر يعقوب على تلكَ اليوسفيّة، كيفَ للمشقّة هذه أن تسري بجسدها البريء دون توقّف وتهديه صفعاتٍ لا تخرجه من كابوسه العميق، يكفيها فقدانه فحسب، كيف صار تورطّها بفقدان نورها الذي حاربتهُ من بعيد، إنّه شهيدٌ بالكهرباء، وإنّها حيّة بلا كهرباء..!
بعدَ حينٍ قليل وجدت رسالة مُبعثرة إحتوت حروفها:
ليلتي كيف حالك؟
ها هو جسدي المتين كما تركتيه في صلابتهِ، انبعثتُ من ذاكَ القفص الحجريّ المتين لكي أكتب لكِ هذا، عائداً بعد أن أنتهي إلى معذبيّ الأزليّ.. 
الأرضُ الآن تُزهِر حبّا من جهدِ ما زرعنا، أرجوكِ اذهبي وكلّميها، انتظرتكِ كثيراً.. لِم جسدكِ الأنثويّ البريء، مُتعب؟ أوصيتُكِ بحقنِ الدماء ليس بشحّه! 
وجهكِ الشاحب يأرقني في زيارتي لكِ كلّ يوم، أريدُه أبيضاً كما عرفته وبسنابلِ القمح التي تدلّت فوقه.. أذكر عندما كنتِ ترفعين خصالكِ ليكتملَ القمر.. كم كان ذلك يُصيبني بالجنون..!
علمتُ مؤخراً أنَّ سوداوتيكِ ابيضّتا، لا تحزني الكفيف ليسَ كفيفَ البصر لِم لا تَحظي برجلٍ من بعدي؟ أيصفونكِ بالجنون بعد عزلتكِ وغباركِ الكثيف؟ دعيهم يتكلّمون كما يعتقدون، فهم لا يعرفون أنّكِ أردتِ إبقاء آخر أثرٍ لي في كلِّ عتبةٍ ومنبر..!
ألقِ السلام على أمّك اليوم التي تقرأ لكِ هذا، وإن كان الدمار يعمّها.. 
ولا تحزني على الثقوب المبعثرة من آثارِ القذائف في حائط الشُرفة، فلولاها لما إستطاعَ حاجز الضوء إفتراسهُ..! 
لقد حجزتُ لكِ مقعداً قبالتي، تعالي . 
اشتقتُ لكِ جداً..!
ظلّت ليلى منكوبة لزمنٍ طويل، إلى أن وافتها المنيّة في ليلةٍ ماطرة قارسة البرودة و بصاعقة كهربائية من الربّ، أوصت بعد حين بجمعِ كلّ الغبار ووضعه فوق جثتها كي يبقى عطره الفوّاح حتّى بعد مماتها..!
وها هو منزلها الغباريّ يغدو قصراً الآن..!

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق