إيمان أبوزيد تكتب: صرخة وجع


"ستَّةٌ وعشرون شهراً ويومان وثلاث سويعاتٍ مضَتْ وهي كلَّ يوم على موعدٍ معه، 
تنهض صباحاً تسرِّح شَعرها وتنزعُ شعيراتها المتساقطة العالقة في مشْطها تجمعُها لتصنعَ ضفيرته وتصونَ مقدَّساتِه لئلا تندثرَ، تزرع ياسمينة بين الشعيرات البيض المتبقية تعدُّ كوب قهوة وتتسمرُّ على الكرسي أمام هذه الكوَّة تناجيه"
 -أنت لستَ هنا ولن تأتي ،أدرك ذلك ولا أودُّ أَنْ أصدقَه،
عيناي كابيتان جفَّت أدمعهما ،جسدي هزيلٌ مضنىً وقلبي مرتبكُ النبضاتِ منهكٌ، لم أعدْ آبهُ لأيِّ شيءٍ لا لحديثٍ مع جارةٍ ولا موسيقى تطربُني، لا لضحكةٍ من قلبي ولا كتابٍ يلهيني، كلُّ ما يهمني الآن أن أتزينَ وأتجمَّلَ لأبقى جميلتك، جميلة؟! أيُّ جمالٍ هذا في  تضاريسِ وجهي التي خلَّفها رحيلُكَ؟! تتساقطُ سنوات عمري ولا زلتُ طفلتك المدلَّلة، مدللة؟! ماذا دهاني؟!  ما أنا الآن سوى طفلة يتيمة كتلك  الصغيرةِ التي  أخبرَتْها أمها يوما "لا تبكي ياعزيزتي لقد سافر أبوكِ إلى السَّماء البعيدة هو سعيدٌ الآنَ وأعدُك أنَّنا سنلقاه وننعمُ معَه بالجنَّة حيثُ الخلود"
 كم أترقَّبُ ذاك اللقاءَ يا أبي وأخي خليلي ورفيقي  لكنْ مهلاً ماذا إِنْ كان لديَّ بعض الذنوب؟ مِنَ المؤكَّد أنَّها ستحولُ دون لقيانا! الآن ومنذ هذه اللحظة سأبدأ بالصَّلاة والاسْتغفار.
"تنهض بسرعة كالضائعة تدور حول نفسها"
-لكنْ أينَ سجادةُ الصلاة وماهي جهةُ القبلة؟! آخ رأسي!
-ما هذا الصوتُ؟! مَنْ هنا ؟! من أنتَ؟!
-حبيبتي إنَّه أنا كريم!
-يالكَ مِنْ مُراءٍ! كريمٌ رحل إنَّه ينتظرني هناك في تلك البقعةِ الزرقاءِ النائية خلفَ الغيومِ الرَّاكدةِ أنْظرْ ربَّما هو بين تلك الطيورِ يسرح ويمرح وأنا أتحرَّق شوقًا!
"وضع يديه على كتفيها وأخذ يهزها بقوة"
-أنا هنا يا ليلى لم أمت، أنا هو كريم هذا صوتي ألا تسمعين؟!
"سحبها من يدها إلى غرفتهما"
-انظري، هنا بيتنا ذلك سريرنا وهذه صورتنا، هذه أنت وهذا أنا.
"رفع وجهها لتتلاقى أعينهما "
-انظري في عيني هذا أنا محبوبك، ألم تذكريني بعد؟! حسنًا تعالي معي!
"سحبها إلى النافذة"
ها هي ياسمينتنا التي سقيناها سوية لتكبر معنا، أترين؟!
-أووه! كفاكَ ثرثرةً يا هذا، سيأتي حتماً، لا بل إنَّني لن أنتظرَه هنا بعد اليوم فإنَّ الريحَ باردةٌ وأنا أكادُ أتجمَّد!
"انفجر يصرخ بكل مافيه من حزن"
-عزيزتي، ما بالُك إنَّنا في الصيف أيُّ بردٍ هذا!
"وضعت يديها على صدغيها وراحت تصرخ وتبكي"
-أنا لم أقلْ أنَّنا في الشتاءِ أنا أشعرُ بالبرودة فحسب! ثم إنني أعي تماماً موسمَ تفتُّحِ الياسمين! 
-حسناً اهدئي، أرجوكِ أنا آسفٌ!
- آه كم تعبْتُ 
"زفر مافيه من حزن عانقها وأجهش باكيا"
-هلمِّي إليَّ لا تبكي يا صغيرتي  أنتِ هي عصفورتي التي سأمضي ماتبقى من عمري أسرح وأمرح معها  تعالي إلى حضني ودعيني أضفِّر شعرك وأضيف إلى حقله ياسمينةً أخرى! أحبُّ قلبَك وأُجَنُّ في عقلكِ الخرفِ الرزين!

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق