يارا قاسم تكتب: الإزدواجية


منذُ مئةِ عامٍ لا أزالُ قابعاً داخلَ نفسي، عنكبوتاً أنسجُ شِباكي وأصطادُ عثراتي ثمَّ ألتهمُ نفسي.
منذُ البارحة، قرَّرَ الأحمقُ الذي أرتَدي وجههُ قناعاً  أنْ أحيا بتعاسـةٍ عاديَّة، ككلّ البائسـينَ في المعتقلاتِ والملاجئ، ككلِّ المنفيين عن نور الشّمـس.. 
 أنْ أُلقي بوشاحٍ من كآبةِ السّاعةِ الواحدةِ فجراً على كتفيَّ، سوادٌ خفيفٌ كدمعِ امرأةٍ ثكلى..
ذلكَ الأحمق كان بوسعي أن أصطاده، ألتهمهُ، ليُنفى عن ملامحِ البشر..  لكنَّ تشوّهاً أصابَ وجهي، فبدا كمسخٍ "يُحبُّ نورَ الشمسِ" رَدَّني عن ذلك.
منذُ الصباحِ ارتديتُ وجههُ وغادرتُ نفسيَ الكهلة بَدوتُ عشرينياً غبيَّاً ككلِّ الحمقى الذين تعثّرتُ بأشباحِهم في طريقي.
ابتسمتُ لكلِّ غبيٍّ صادفتهُ، ألا ثبَّتَ الله غباءَ المخلوقاتٍ _التي تدبُّ على أربعٍ _ عليكَ عزيزي. 
لحظات ولم أحتملْ عُدتُ لاصطيادِ نفسي مُعدَّاً الوليمةَ على نـارٍ بـاردةٍ تُشـبهُ ملامحَ الأحمقِ.
منذُ أربعِ ساعات، في الوقت الذي عدتُ فيهِ لقوقعتي، نزعتُ الأحمقَ عن وجهي وأنا على وشكِ إعدادِ مأدبةِ الخطايا، رأيتهُ يبتعدُ كما لم يسبق لهُ فِعلُ ذلك.
 أنا سيّدهُ وخادمهُ المُحتاج.
قالَ (وهو يُلقي وشاحَ كآبةِ اليوم على كتفيه): أنا لاجئٌ واللاجئُ عليهِ أن يعودُ لوجههِ الحقيقيّ،
 تعبتُ إرتداءَ حزنك، تعبتُ البكاء عنك، بي حزنُ الأيتامِ والمنفيين.
 أنا أيضاً بحاجةٍ لأن أبكي وبحاجةٍ لأن أرتدي ما تبقى لي من الأيام المعلَّقة على مشجبي.
 أغلقَ البابَ خلفهُ تاركاً كُرسـيَّهُ فارغاً.
كرسيانِ فارغانِ والمأدبة تنتظر إثنين لتبدأ المُحاكمة،
 هذه ليست جلسـةً مؤجـلةً لتقبلَ بواحدٍ فقط. 
أقفُ أمامَ المرآةِ اللّعينةِ، أُمزّقُ خيباتي بهِ. 
شراراتُ النارِ تتطاير سربَ حمامٍ من جرحي الذي ظهرَ فجأةً وألهبَ جبينيَ المقطَّبَ وكلبُ البؤسِ يعوي بداخلي ولا يسكتْ.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق