عبدالملك النمري يكتب: واقعنا الحالي نسخة مطابقة لواقع ما قبل نصف قرن..!!



حتى بعد الثورة بسنوات غفيرة ظل سلطان الشيخ قائما في أفضع صوره، محافظا على هالة التخويف حوله بكامل سمكها مع ما تحدثه من رعشة ذليلة في داخل كل قروي خانع؛ لتظل مواشي الفلاحين وأراضيهم تستلب على أمتداد نصف قرن منذ اندلاع ثورة سبتمبر المجيدة؛ وأمام  نواقض الحياة هذه بقيت نواقض الوضوء بمفردها ما يشغل الفقهاء  طوال هذه السنين..!

يتجلى هذا التماثل بين واقعنا المعاش وواقع توهمنا الخلاص من سوداويته منذ زمن، في الإرث الأدبي العائد لما قبل ثلاثة عقود وأكثر. ولنأخذ على سبيل التمثيل "طاهش الحوبان"و"المدفع الأصفر" لمطيع دماج كذلك "عمنا صالح"و"الأرض ياسلمى" لمحمد عبدالولي وإصدارات قديمة للغربي عمران.

إن في وسعنا حقا رؤية كم أننا نشبه فلاحَ ماقبل الثورة في انكساره الواضح وكم يشبه شيخ قريتنا الإمام في تبجحه وسلوكه المنحرف، وذلك من خلال قراءة تلك المجموعات القصصية وغيرها.
 فالقصة مهما بدت مُتخيلة إلا أن أحداثها لاتجري في معزل عن الزمكان الذي كتبت في غضونه، وهي لوحة مطابقة لواقعها المحيط مع فارق نزوع الفنان لتلطيخ أجزاء منها بلون صارخ على حساب أجزاء أخرى. لذا يظل القص الأدبي بإنواعه وثيقة يمكن العودة إليها، "فالحياة تعاش بقدر ما تروى" بحسب بول ريكور.

 من خلال النصوص المشار إليها سابقا نجدنا أمام اعتراف قاس: إن ثورة أيلول 1962 مجهضة حيث لم تجتث أطراف الظلم من أقاصيه الغائرة، اكتفت فحسب بجذعه الظاهر المتمثل في سلطان الإمام، لتستمر المشيخة بضرب جذورها عميقا في لقمة القروي وكل ما يملك من ديكة وأشجار قات باسقة. ناهيك عن تمدد نفوذها خارج حقول الريف ووديانه الخصيبة لتطال أراضي العقار في المدن.

إن واقع الحياة بين تلافيف الذاكرة الأدبية هو ذات ما نتكبده في حاضرنا من اقطاعية مستبدة، وإن كان ثمة من اختلاف يذكر فهو منحصر في مظاهرها لا أكثر، إذ غدا التملك نوعا ما متاحا للمواطن وإن في حدود رضى قوى الظلام والتي لا تتنازل عن نصيبها من تلك الملكية، حيث لا يزال أعيان الأرياف والقرى ومؤخرا المدن يتسلمون نسبا سنوية من محصول الرعية. 
ومن ناحية أخرى ثمة اختلاف ظاهري بين حاضرنا وزمن العِكفة والمجاعة يظهر في مقدرة أي فلاح امتطاء حمار في تنقلاته وقد كانت حكرا على  أعيان القوم والذين صار فناء قصورهم يعج بالأطقم والجنود..!

إن التغيير الحاصل مما بعد الثورة وحتى اللحظة طفيف بحيث لا يذكر، إذ لا يزال المجتمع وفيا لتقسيامته الطبيقة. فالمسافة فيما بين الشيوخ وعامة ناس هي ذاتها مالم تكن في اتساع مضطرد كذلك عامة الناس ما فتئوا ينظرون إلى من خلفهم بدونية وهم يجذبون رداء الأصالة أماما كي لا يلمسهم دنس المزاينة والأخدام وراءهم..!!

مالم ينتج عن ثورة ما تغيير راديكالي شامل؛ فهي محض حالم عابر. ولا أعتقد أن من اللياقة الرقص لمجرد حُلم..؟!


عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق