إبراهيم فقيهي يكتب: الحلم



كبرنا وصغرت أحلامنا.. والأمل صار في أعيننا ألم.. كل شيء لم يعد على شاكلته الأولى.. وكل شيء صار معقداً للغاية.. مطلسما حالكاً يرتدي زيّه الرسمي الملطخ بالسواد.. كبرنا عاد شيء لم يكبر معنا.. حلمنا الذي كان كبيرا في صغرنا وصغر عندما كبرنا..
كم كانت الحياة في أعيننا جميلة.. ترتدي زي الملاك وتخفي سوادها الحالك الذي إن إكتشفناه في صغرنا أبينا أن نكبر وأن نعيش أكثر..
الوطن.. الرفقاء.. الأقرباء... كل شيء كان يتمثل لنا في أبهى حلله.. كل شيء كنا نراه أجمل من الجميل لينقلب الجميل ليل طويل من التفكير والحصرة والندامة.. لينقلب الجميل وما عهدناه جميلا إلى صدمة عششت في وجداننا المخرب من أثر الصدمات والنكبات..
كان كل حلمنا أن نحصل على بدلة العيد لنتباها بها أمام الأصدقاء.. لنصارع في البرهنة على أيهما الأفضل.. بدلتي أم بدلة صديقي رضى..
كان كل أملنا أن نرى الخال أو الخالة تلج بابنا وفي يدها "ميكة" بيضاء تكشف الحلوى والبسكويت.. وأن نفرح لمجرد علمنا بالسفر إلى المدينة أو ما يسمى بالمدينة عند العائلة.. وأن نجعل بيننا وبين النوم قطيعة تاركين الحيز كله للفرحة التي تكاد تصنع لنا أجنحة من لاشيء.. كنا نرى الوجود ملون بألوان الفرح والسرور.. لا سواد فيه ولا تعقيد للأشياء..
رغم دموعنا التي كانت تقريبا كل يوم تتهاطل كالوديان.. لم يكن للدموع معنى أنذاك.. نبكي عندما لا نحصل على درهم أو أقل.. نبكي عندما نرى أحد أصدقائنا يتبجح بدراجته الهوائية.. نبكي عندما تمنعنا الوالدة من الخروج أملاً في ألاّ تتسخ بدلاتنا وأجسدنا بغية الدخول للمدرسة غدا أنقياء.. كنا نبكي لأجل أن نضحك بعد هنيهة عندما تعدنا الأم بأن تمنحنا نصف درهم لنشتري الحلوى التي هشمت أسننا..
كان الضحك والبكاء لا يختلفان كثيرا بالنسبة لنا.. حتى صار الأمر معقدا فلم نبكي منذ مدة ولم نضحك منذ مدة أمد من الأخرى.. لا نبكي.. لا نضحك.. نعيش بين تلك والأخرى.. بين الأمل والألم.. بين الدمعة والبسمة مسافات فلكية..
عشنا عندما كنا صغارا.. والآن نموت موتا بطيئا على شكل حياة..

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق