مريم عبيد تكتب: غاردينيا الحب


هُناكَ في البستان.. خُلقتُ للتّوِّ في شهرِ الحبِّ والسّعادةِ، أو كما تسمّونهُ عندكم "شهرُ الكذبِ"
بجوارِ والدتي -غاردينيا كبيرة- كنتُ ملتصقةً أنا، وحولي الأصدقاءُ ممّن خُلقوا معي أو أكبر، كنّا جميعنا في حوضٍ كبيرٍ آخرَ البستانِ، وكانَ الأخيرُ مملوءً بورودٍ كثيرةٍ .. غريبةٍ .. وبعيدةٍ عنّا أيضاً ..
منذُ أنْ فتحتُ عينيَّ على جمالِ هذهِ الرّوضةِ وصاحبها يجودُ عليَّ وعلى رفاقي بالعناية، يسقينا ويهتمُّ بنا، ويحاولُ جاهداً وِقايَتنا حرَّ الشّمسِ هُناك، كانَ يتعبُ كثيراً من تربية الورود، يضجرُ، يسئمُ، ويمسحُ قطراتِ العرقِ عن جبينهِ بأسىً، وما إن يَصِلُ الدّورُ إلينا حتَّى يبتسمَ بشوقٍ وحب، ويأخذَ شهيقاً من عِطرنا لا أظنُّ بأنَّه يتمنّى زفرهُ أبداً، وكأنَّنا الملاذُ الوحيدُ له...لمْ نكنْ كغيرنا منَ الزُّهور، كانتْ أوراقُنا خضراءَ لامعة، ولَونُنا واحدٌ ثابتٌ أبيضُ ناصع، وشذَانا فوّاحٌ في كُلِّ شبرٍ هُناك ..
مرَّ شهرٌ كاملٌ على وجودي، وأنا سعيدةٌ .. مطمئنةٌ .. ومرتاحةٌ جدّاً مع مُربّينا ذاك، كانَ الاهتمامُ بِنا يكبُرُ منه، والحبُّ لهُ يكبُر منّا، أحببتهُ بطيبٍ رَغم تصرّفاتهِ الغريبة، كانَ يقطفُ كلَّ يومٍ بعضَ الورودِ مِنْ حولنا ويأخُذها بِلا رجعة، وفي تلكَ الأثناء كانتْ تقتربُ والدتي منّي أكثرَ وتُسبِّحُ اللّه وتدعو لي لسببٍ لمْ أفهمهه، وحينَ جاءَ ذلكَ اليوم .. حيثُ كنتُ أراقبُ الشَّفقَ الأخيرَ قبلَ غيابه، اقتربَ منّي صاحبُ البُستانِ ولَمسني فانحنيتُ على يدهِ بشغف، كنتُ سعيدةٌ حتَّى رأيتُ دُموعهَ تلمعُ وسطَ عينيه، ابتعدتُ عن يدهِ قليلاً فسمعتهُ يقول "آسف" لم يكن لديَّ وقتٌ للتفكيرِ لأنَّ الصّباحَ كان قريباً .. بائساً .. ومريعاً أيضاً .. استيقظتُ في الصّباحِ على حياةٍ غريبة، كانت يدهُ تقتَلِعُني منْ مكاني بلا رحمةٍ تُذكر، وصُراخُ أمّي المتكرّر لمْ يَرْدَعْهُ عنْ فعلتهِ تلك، كانتْ تبكي بحرقةٍ وكنتُ أبتسمُ بوجع...بقيتُ صامتةً أتألّمُ حتَّى وصلنا إلى شابٍ وسيمٍ أخذني مقابلَ بعضِ المال .. بقيتُ محمولةً بينَ يديهِ أعتصرُ الألمَ داخلي وأنزُفُ شوقاً لأمي وقتاً طويلاً، ووصلتُ أخيراً إلى إحدى الحدائق، كانتْ هناكَ فتاةٌ بانتظارِنَا، فتاةٌ تدعى حبيبته، انْتَشَلتْني منْ بينِ يديهِ وأخذتْ تُقبّلُني بحرارةٍ وحب!..
-هُناكَ في دفترٍ لها كنتُ قابعةً أحتضر، تحيطُ بي ورقتانِ كبيرتان وتطبقانِ عليَّ بوحشيّة، كنتُ صغيرةً يتيمةً أبكي وحدي، ولا يُخفّفُ عنّي شيءٌ مِنْ تَقبيلِ الفتاةِ لي كلَّ مساءٍ قبلَ نَومِها...بقيتُ ميْتَةً على هذهِ الحالةِ شهوراً عدّة، إلى أنْ جاءَ ذلكَ اليوم .. كنتُ حينها أندبُ دونَ شعور .. أدْعو لِوالدتي .. وأُسبِّحُ اللّه في سرّي، سمعتُ بُكاءَ الفتاةِ مساءً على غيرِ عادتها، حاولتُ التّملّصَ قليلاً من بينِ الصفحاتِ لأسترقَ السّمع، كانتْ تَهْذِي بعباراتٍ جديدةٍ حينها، وتصرخُ وتشتمُ بكثرة، اقتربتْ منّي أخيراً، ظننتُ بأنّي سَأكونُ مَلاذَها لِتبتسم كالعادة إلّا أنّها صفعتني بقوّةٍ على الأرضِ وأخذتْ تُكسّر أوراقي بقسوة، فَتَّتَتني وقتلتْ كلَّ ذرّةٍ في داخلي، كنتُ ضعيفةً أتَلقّى الصفعاتِ بِلا مُقاوَمة ..
-هُناكَ على التّرابِ كُنتُ حطاماً منثوراً، لا أُشْبِهُ الوُرودَ بأيِّ شيءٍ، يابسةٌ مهشّمةٌ دونَ رُوح، يَدهسُني المارّةُ بسخاءٍ ظالم، ولا يسمعُ أنّاتي أحدٌ مِنهم...وهكذا كنتُ زهرةً شهراً واحداً فقط، ويباساً لأشهر، ورماداً للأبد..
لا يعرفُ ذاكَ المُربّي شيئاً مِن الحبّ؛ فلو أحبّني فِعلاً لما تخلّى عنّي بتلكَ الوحشية.. ولا تعرفُ تلكَ الفتاةُ الحبَّ أيضاً؛ فلو عَشِقتني فعلاً لما عقدتْ حُبّها لي بِحبيبها الخائن! وما كانتْ خَانتني بعدما خانها..
لا يعرفُ الحبَّ أحدٌ سِوَى أمّي غَارْدينيَا الكبيرة حينَ كانتْ تدعوْ اللّهَ أنْ تكونَ الضّحيةَ بدلاً عنّي .. والآنَ فقط فهمتُ قصدها..!

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق