إيمان عبد الكريمي تكتب: ذكريات من بلاد الأهرمات



وحيدة؛ أسلك ذاك الطريق المظلم، أمشي كفتاة عصرية مثقفة وحزينة إلى أبعد مدى.. لا يرافقني سوى هاتفي المليء بالموسيقى الّتي تشبهك. هاتفي المليء بالدّموع.. الّذي ستنفذ بطاريته قريبا، وذاكرتي اللّعينة! لا تنفك عن تذكيري بك، أحمل قلبي فوق كتفي وأهرب به إلى الماوراء؛ إليك أنت وحدك. فلطالما كنتٙ إستقراري وسط كل ما يحيطني من ضياع، كان إحساسي بك يفوق كلماتي بأشواط.
أتدري ما الّذي كنت تفعله بي؟ كنت الوحيد الذي يجعل الرعشة تعتري أعضائي، كنت تفعل بي ما يفعله النّشيد الوطني، بصدر مغترب لم يقبل أرض وطنه منذ سنين مضت.
أبلغ منزلي الليلة متأخرة أيضا، أسرع بتحضير فنجانين من القهوة، التي قلما أرتشفها ساخنة، أفتح نافذتي بغية دخول أوكسجين خال منك؛ لكنك كعادتك المسائية المعذبة والمستنفدة لجهدي وطاقتي.. تتسلل عبر كل شيء دون أن تخبرني عن موعد الوصول، ولا طريقة الدخول وتطاردني بعد ذلك كلعنة لا سبيل لترويضها..
أجهز بعد ذلك طاولتي في شرفة بيتنا بكرسيين الأول لي، والثاني ليذكرني كم أنا وحيدة هنا. يظل مقعدك طوال السهرة مليئاً بالفراغ الذي يحتل جوفي، والمسافات التي أبعدتنا قبل أن نقترب، تسحب مني أوراقي التي خصصتها مسبقا للكتابة عنك ولك، لترسم عليها، فأمضي الليلة أنظر إليك، أتمعن في ملامحك التي ستغيب بعد برهة من الزمن، أستنشق ما يملأ رئتاي من عطرك، تستنفذ طاقتي والموت على مقربة مني، تنظر إلي بابتسامة بلهاء! تتحداني أن أذهب إلي قبل أن تأتي هي!
ها أنا ذا أبعثر كتاباتي لك، عساك أن تجد نفسك فيها وعساك تدرك أن كلماتي لم تخنك كما خانتك أناي. أكتب لك بلهفة شوق حينما أتذكر المسافات التي تحول بيننا، أحس بضيق يسكن قلبي حينما أفكر بالحواجز التي سبقتنا والماضي الذي دهس أحلامنا.. أحلامنا البسيطة التي لم تتجاوز لقاءات متداومة وسهرات على ضفاف النيل وأكل "الكشري" الذي يباع على مقربة منك، وتمضية ليال صيفية على جنبات شرم الشيخ، كنت تجهز لي برامج عطلتي معك لعل أوانها يأتي يوما ونهزم البعد والقدر؛ لكن زماننا كان بخيل أكثر مما خيّل لنا لم يسمح لنا حتى باللقاء.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires:

  1. سرقتي نص كاتبة في التويتر؟��

    ردحذف