البشير مليحا يكتب: المقدس والمدنس: بين الظهور والإختباء



إن الدارس الملاحظ والمشارك في فعل اجتماعي أو ثقافي ما، غالبا ما يعطي لنفسه الحق في مساءلة ذلك الفعل الذي أنتجه وينتجه البشر على الدوام، بحثا عن جواب يكون أكثر معقولية عن غيره من الأجوبة التي تحضى بالإجماع دون سند موضوعي، اللهم جوابا جاهزا بصيغة:  " ذلك ما وجدنا عليه أسلافنا "  
الباحث المتفحص لكل ما يدور من حوله يجد نفسه مندهشا ومتعجبا من انتاجات مجتمعه ويطرح أسئلة عديدة ترتهن إلى الإرتباك المتواصل في منظومته الذهنية خصوصا في شقها التفهمي، يصطدم بمنظومة أخرى من القيم التي لا تحمل في جوفها أي منطق أبدا. 
يجد ذلك الإختلاط بين المقدس والمدنس رغم أن المنطق يقتضي الفصل بين طرفي هاتين الثنائيتين اللتين لا جامع بينهما في كثير من الأحيان، مما يفسح المجال لعاصفة من التناقضات التي تنخر المجتمع المغربي بشتى انتاجاته، أكانت دينية-ثقافية أو اجتماعية. 
كيف ذلك؟
فحين تكون الألبسة التي تمنح لمرتديها هيبة ووقارا ( الفوقية البيضاء، الجلابة، طربوش أبيض، عمامة ...الخ) والتي ترتبط دلالتها الرمزية بالمسجد والعبادة، إلى حد أن من يرتديها يمنح من قبل أصدقائه ومعارفه لقب ( الطالب أو الفقيه أو الشريف، وهلم جرا )، مع العلم أن ما كان يسمى مقدسا هنا -حسب الدلالة الرمزية التي تعد الأصل والمنبع لهذا اللباس- سيصير مدنسا بحال من الأحوال حين يوظف كوسيلة للرقص والغناء-  لدى الذكور طبعا!!
فالذي كان يعتبر " فقيها " بالمعنى الرمزي للباسه، صار يعد راقصا محترفا.. ذلك بالضبط ما يمكن لمسه واقعيا من خلال الفرق "الفلكلورية" التي تختلف اسماؤها من منطقة لأخرى ومن طقوس وتضاريس و... لأخرى، دون أن تختلف ألبستها المتمركزة حول  لباس ( البرقع الرجالي ) إن صح التعبير! 
وأيضا، 
لما يكون الرجل أشد حرصا على مراقبة خطوات زوجته وأكثر اعتناء بتخبئتها داخل بيت الزوجية، حتى لا ترمقها نظرات الرجال أو يشتم أحدهم رائحة عطر اشتراه هو لها!!  في هاته الحالة يظهر المقدس مرتبطا بزوجة هي ملكية شخصية لزوج يحمل عقيدة الإسلام!! يعتبرها عرضه وشرفه وكرامته واللائي لا حياة له بعدهما أبدا إذا  خدشوا... لكن الغريب في الأمر أنه ما إن يعلن عن حفل زفاف أو أحد الملتقيات التي تؤطرها الطبول والمزامير، ويحضرها الذكور والإنات دون حجاب أو مانع من موانع النظر أو اشتمام الروائح، حتى تجد تلك الياقوتة التي كانت مخبأة بالبيت قد أخدت الإذن لنفسها، ليس من أجل النظر فقط، بل لأجل الغناء والرقص هما الآخرين، ودونما قيود!! 
مرة أخرى ما كان مقدسا في فضاء ومجال معين، صار مدنسا في واحد آخر مختلف تماما!! 
الأمر سيبدو أكثر تعقيدا حين نحاول نحن الفضوليون بملاحظاتنا وتسجيلاتنا إخضاع تاريخ عميق ومتجدر تؤطره منظومة مضطربة ومعقدة من الأفكار والمعتقدات والقيم! 
إن تحليل ظواهر مجتمعية بهذا الحجم من اللامنطق، يجعل الباحث الفضولي في تصادم مباشر مع من لهم مصلحة مباشرة من وراء هذا التراكم التاريخي لعشوائية ولا معيارية  المنتوج الثقافي- القيمي للكائن المغربي، الذي يفسر كل فعل من هذا النوع على أنه عادة وتقليد وتاريخ.. الخ.
يظهر جليا الوضع المأزمي في ظل واقع يؤطره تاريخ يأبى أن يستحم حتى يزيل تلك الطفيليات العالقة والمتعلقة فيه. 
تحدث كليفورد غيرتز وهو باحث انتروبولوجي مختص في تأويل الفعل الثقافي خصوصا ما ارتبط بالتدين، تحدث عن أن الإنسان قد بنى لنفسه شبكة واسعة من الرموز فصار حبيسا لها، صنع عادات مشوهة( بفتح الواو)، صنع قيم غير ممنطقة، وبالرغم من أنه لم يتدخل في صنع عقيدته الدينية إلا أنه أولها بشكل واقعي اجرائي مبعثر، بحيث صارت تحمل نقيضين يظهران ثارة ويختفيان ثارة أخرى..
صار من المفروض ملامسة مختلف المفارقات العجيبة التي تغطس مختبئة وراء ثنائية المقدس والمدنس، ومعالجتها من داخل الطبيعة السايكولوجية ( النفسية ) لدواتنا حتى نحظى بقدر أكبر من التوازن في شخصياتنا، وحتى نحضى بقسط وافر من التفكير المتحرر والممارسات والسلوكات المتوازنة والسليمة التي توعينا بجهلنا لا التي تمرغ وجوهنا وأدمغتنا فيه. 


عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق