عبد اللطيف المرابط يكتب: تجربة تحدي القراءة العربي من زاوية نقدية!



لا أحد يخفى عليه أهمّية القراءة ولا ينكرها، وكلّنا نعلم أنّ خير جليس في الزّمان كتاب، كما قال المتنبّي، لكن في ظلّ هذا الكم الهائل من وسائل التّكنولوجيا الحديثة، وسوء استخدامنا لها، نجد أنّ مؤشّر القراءة ينحدر يوما بعد يوم، الكلّ أصبح وفيا لحاسوبه وهاتفه في زمن عزّ فيه حمل الكتاب، وأصبح فيه الذي يصاحب الكتاب مجرّد مختلّ يدّعي المعرفة والثّقافة في نظر هذا المجتمع الذي يعاني أزمة في الفكر، ويرى نعيمه في طمس عقله، والانسياق وراء كل ما هو مألوف ومعتاد، ولا يجيد سوى قول سمعنا وأطعنا، وفي وجود كلّ هذه العوامل، نجد أنّ هذه الفئة القليلة، التي تعدّ على رؤوس الأصابع في أمسّ الحاجة إلى أنشطة جدّية، تشجّع الشّباب على مواصلة درب القراءة، ومواكبة تجاربهم، والانفتاح على فضاءات فكرية أخرى، الحديث هنا سيكون عن تجربة تحدّي القراءة، فما هو هذا التّحدي؟ ومن أطلقه؟ وما أهدافه المتوخّاة؟ وهل فعلا حقّقها؟

تحدّي القراءة العربي، يعتبر بمثابة أكبر مشروع يطلقه "محمد بن راشد آل مكتوم"، نائب رئيس دولة الإمارات، لتشجيع فعل القراءة لدى المتعلّمين في العالم الثالث، وذلك عبر التزام المتعلّم بقراءة خمسين كتابا وتلخيصها.
يتنافس المتعلّمون من كلّ الفئات العمرية على قراءة الكتب باللّغة العربية، حيث تستغرق أطوار هذه المسابقة من شهر شتنبر إلى غاية شهر ماي من العام المقبل، يتدرّج المتعلّمون طيلة هذه المدّة عبر خمس مراحل، في كلّ مرحلة يتم قراءة عشرة كتب، وتذكّر معلومات كلّ كتاب على حدة، من قبيل العنوان والكاتب ودار النّشر وعدد الصّفحات.. والقيام بتلخيصها في جوازات التّحدي.

بعد مرحلة القراءة والتّلخيص، تبدأ مراحل الإقصائيات، وذلك بواسطة القيام بمقابلات مع المتعلّمين، تتمّ من خلالها مناقشة ما تمّ قراءته وتلخيصه، وامتحان المتعلّم في بعض الجوانب من الثّقافة العامّة، وذلك عبر عدة مستويات، بداية على المستوى المحلّي، يناقش فيها الأساتذة المشرفون المشاركين الذين أتمّوا قراءة خمسين كتابا، ويحاولون اختبار مهاراتهم في التّواصل الشّفهي، ولغة الجسد، ومدى درجة استيعاب مضمون الكتاب، ليتم بعد ذلك اختيار ثلاثة مشاركين من كلّ مؤسّسة تعليمية، لينافسوا مشاركين آخرين من مناطق أخرى، على الصّعيد الإقليمي، والجهوي، والوطني، وأخيرا الدّولي..

وخلال كل المراحل الإقصائية نجد أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ المشارك يمرّ من تجارب كثيرة، تغني مساره الثّقافي، وأدناها أن يمثُل أمام لجن التّحكيم في كلّ مرحلة، ويكسب صداقات جديدة تخول له الانخراط فعليا في القراءة، وبوتيرة أكبر، لا سيما أنّه يحتكّ بمن هم أكثر منه معرفة ودراية بمجال القراءة، ولعل من أهم أهداف هذا التحدّي، كما وردت في الموقع الخاص بالمسابقة ما يلي:
- أهمية القراءة.
- تحسين مهارات اللّغة العربية لدى التّلاميذ لزيادة قدرتهم على التّعبير بطلاقة وفصاحة.
- تعزيز الوعي الثّقافي لدى التّلاميذ منذ صغرهم، وتوسيع آفاق تفكيرهم.
- تعزيز الحبّ الوطني والعروبة والشعور بالانتماء لأمة عربية واحدة.

ولأنّنا لا نخشى لومة لائم في قول رأينا بكل حرّية ومسؤولية، فقد نتّفق إلى حدّ ما في كون باستطاعة القائمين على المسابقة تحقيق الهدفين الأولين المتعلّقان بأهمّية القراءة، وتحسين مهارة اللّغة العربية، لكن نجد أنّه من الصّعوبة بمكان تعزيز الوعي الثقافي وتوسيع آفاق التفكير لدى المتعلّم في ظلّ هذا الفكر الإقصائي الذي يتبناه التحدي، بحيث لم يتخلّص القائمون عليه من انتماءاتهم التي تخصّهم ولا تخصّ غيرهم، ولم يتمّ استحضار مبدأ الاختلاف، واحترام خصوصيات كلّ بلد على حدة، فلا أحد يخفى عليه التّنوع الثّقافي والهوياتي الذي يعرفه المغرب وبعض البلدان الأخرى، فكما الأرض للجميع، يجب أن تكون القراءة للجميع، ويتم التّخلي عن كلّ ماهو ذاتي، والتشبّث قدر الإمكان بكلّ ما هو موضوعي، وإلاّ فما الهدف من الانفتاح على دول مجاورة في ظلّ الإنغلاق الفكري والثّقافي، وخدمة الأغراض الإيديولوجية المتضمّنة في أهداف المسابقة؟ لا يوجد شيء أكثر عبثية من الانفتاح في ظل الإنغلاق، ولأنّه ليس من شيمنا قول كلّ شيء، فهناك تجاوزات أخرى تحفّظنا على ذكرها احتراما لبعض أصحاب الضمائر الحية، الذين يشكلون القلّة القليلة في كلّ الأنشطة الثّقافية والفكرية، الذي لا يفوتنا أن نشدّ على أيديهم بحرارة ونحيّيهم، ونشكرهم على مجهوداتهم الجبّارة، ومواكبتهم للمشاركين طيلة السّنة، وتكبّدهم معاناة المرافقة في كلّ مراحل المسابقة.

وأخيرا، عندما أتذّكر ما قيل عن" ابن رشد"، أنّه لم يجلس على عرش العقل العربي بسهولة، وأنّه أمضى عمره في البحث والتّأليف، حتى شهد له معاصروه بأنّه لم يترك القراءة والتأليف إلاّ ليلتين إثنتين، ليلة وفاة أبيه، وليلة زواجه، فأيّ كلام يقال بعد هذا سوى أننا لم نقرأ ولم نؤلّف ولم نعرف شيئا ! لذا فالشّيء الوحيد الذي يمكن لي أن أقوله لكل من يصاحب الكتاب، إقرأ من أجل التّثقيف الذّاتي، واجعل المسابقات وسيلة لا غاية، تكن من الذين كسبوا رهان القراءة الحقيقي، وخير ما نختم به حديثنا عن القراءة قول عباس محمود العقّاد:

"كلاّ .. لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً في تقدير الحساب .. وإنّما أهوى القراءة لأنّني أعيش مرة واحدة في هذه الدّنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرّك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الانسان الواحد، لأنّها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب..."

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق