عبير الشيخ تكتب: زنزانة


الثانية بعد منتصف الانهيار. 
المكان: زاويةٌ رثٌة في مكانٍ لا أستطيُع إطلاقَ اسمَ غرفةٍ عليه. 
أمّا بعد: 
في هذهِ اللحظةِ المقيتة وأنا أنظرُ إلى أنصافِ جدرانِ هذا المكانِ الكئيب. 
لديَّ رغبةً شديدةً ببصقِ كلّ سمٍ  دفعتُه الحرب بلئمٍ بينَ طياتِ جَسدي البالي , واستوطنَ في قعرِ جوفي كشيءٍ ثابتٍ راسخٍ لا تكتملُ تعاستي بدونه. 
وضعتُ يدي على بطني الذي لمْ يَتسرب إليه أي طعامٍ منذُ ثلاثةِ أيام, باتَ ملتصقاً بظهري وكأنّي لم يُخلق لي بطن. فقط محورٌ يحمل طرفين علويين وساقٌ واحدةٌ يتيمةٌ, أختها قد بُترت بسببِ رصاصةِ غَدر استوطَنت نُخاعها. 
لكن لا أنسى الشيء الذي أَنعم اللّه عليّ به وكانَ بمثابةِ فردٌ  شديدَ الولاءِ لوطنه. لم يفارقني يوماً في قيامي وقعودي كانَ متشبثاً بي في كلّ أحوالي . 
عُكازيَ العجوز بُني اللون, معقوف القمة نحو الداخل, ألفَ شكرٍ لَك .
بدأتُ بلكم ذاكَ المسمى ببطني  مراراً وتكراراً 
أتذكر في هذهِ اللحظة كلّ شيءٍ بليدٍ اقتحم حياتي. 
نزوحيَ الأوّل, فِقدانُ ابنِيَ البكر بقذيفٍة طائشةٍ مجهولةَ المصدر كما ذكروا أولئك في ضبطِ الوفاة. 
وأخيراً وليس آخراَ زِنزانتي المقرفة هذهِ ذاتِ القضبانِ الحديديةِ المتآكلة بشدةٍ  من صدأِ الظلم. 
حاولتُ أن أتقيئَ كلّ هذا ولكن مَعدتي الفارغة من الطعام الممتلئة بحقدِ حربٍ عاهرةٍ لم تستطِيع قذفَ كلّ تلك الأشياء المقيتة خارجها 
فلقد تأصلت فيها . وأصبحت جزءاً من خلاياها المعدومة النواةِ واللب. 
باتت تلكَ الأشياء كلعنةٍ أبديٍة ملتصقةٍ بي . 
لا أُدرك موعد غربتها عني. 
لابُدّ وأنّ ذاكَ السّم كانَ فعالاً كثيراً.
لأنّ شرنقاتَ الألم بدأت تلعب دَورها بداخلي. 
القَلم فَلُتَ من بينِ أصابعي وكأنّ يدي كانت مغموسةٌ بالزيت حينها.
فَلُتَ منها ولم أشعر.  
الأَلم يمزِق خلايا خلاياي. 
وعينيَ اليمنى ارتخت وأصبحت على نسقٍ شاذ؛ فلم تعد على مستوى قَرينتهَا .
آخرُ شعرة سوداء في رأسي الأشيب قد سقطت على أرضِ تلك الزنزانةِ الشمطاء. 
وها هو حبرُ قَلمي الأسود قد نَفذ.
غرستُ حينها أظافر يدي اليُمنى في  تجويفِ رَقبتي بشراسة.
باتَ الدم يقطرُ قطرةً تلو الأخرى.
عبأتُ قلمي دماً أحمراً ممزوجاً بألم أمة برمّتها عوضاً عن حبٍر بليٍد لا يستطيعَ البوح بكلّ شيء. 
استطاعَ ذاكَ الدم أن يخطَّ أوجاعَ ليلتي الأخيرة التي قَضيتها في هذهِ الزنزانةِ البليدة. 
عندَ آخرِ قطرةِ دمٍ, َ جاءَ أحد ونزعَ مني ما تبَقى عندي.
لا أعتقدُ أنّه كانَ ذاكَ السّجّانٍ اللئيم.
رُبما كانَ ملك الموت, جاءَ لِيخطفَ روحي مني وهي تصقلُ أوجاعها على حائطٍ يشبه كلّ شيءٍ إلاّ الجدران .
من منتصفِ زنزانةٍ حقودةٍ أبلغُ سلامي لزوجتي التي سَتصبح بعدَ ثوانٍ أرملة. 
مع كاملِ الوجعِ المغموسِ بقليلٍ من المحبٍة المتبقيةِ في مصفاةِ روحي  أُرسلُ لَكِ يا من شاركتني كلَّ أوجاعي وخيباتي أتلالاً من الشكر. 
لعلّها كافيًة لتكملي مشوارَك وحيدة.
والسّلام.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق