أحمد الشيخ يوسف يكتب: رحلة إلى الماضي



حدّثنا إبراهيم بن عبد الله:
- (كنّا قي قافلة الحجِّ إلى مكة، وكان معنا رَجُلٌ جاء من عكّا، فكان حذقاً لفق، محتالاً نمق يشتري زاد الحُجّاج، ويستغل منهم الرُّجّاج، كان يبخسهم الأثال، وينقصهم الأموال، لايكلُّ حتى يشتري، ولا يشتري حتى يمتري، حتى أيقنّا أنه ما أتى ليَحج، ولكن ليدِجّ٭، وبينا نحن في المسير ، نزلنا في وادً عسير، فصادفنا رجلاً هضيم الخصر، وكأنه توّاً قد خرج من القبر، على وجهه كدمات، وكأنّها لَكَمات، يهرول هاتفاً: "عزق لزق، لزق لصق، لصق علق، علق فَرِق، فرِق غَرِق٭" ثم قال هل هناك تاجر، معي كيس من الجواهر، ولمّا رأى التاجر الياقوت والعقيق، جَفَّ فيه الرّيق، وقال في نفسه لأبخسنّه ما معه من مال، فاقترب منه ثمّ قال: "أنا تاجر من بلاد الشام، أخبرني عنك ياغلام "فردّ عليه الغريب: "أنا محمد الجوري، شاميٌّ وكنت في اليمن ومعي جواهرٌ نفيسة الثمن"، فلما رأى التاجر مافي الكيس، أسرَّ في نفسه الثمن النفيس، فقال: "هذي بضاعة هزيلة، قد إشتريها بدراهم قليلة "، فردّ عليه الجوري: "أتخالني طفلاً رضيع، لا أريد أن أبيع"، فظَلَّ التّاجر يغابنه بالنقود، حتى إقترح الجوريُّ عليه لعبة القيود، ثم تابع يزيل من كلامه الرُّقَع، ويزيد في نفس التاجر الطمع، فقال تُكبَّلُ شمالي بشمالك 
ثم نجلس في ليلٍ حالك، بلا نار أوقمر، ولا كلام أو سمر، فمن يَنامُ ويُوقَظ فقد خسر، والثاني قد ظفِر، فإِن ظَفرتُ إشتريتَ كَما أُريد، وإنْ ظَفرتَ بِعتُ كما تُريد، فقال التاجر: "بريت جسدي في السهر، قبلت فلست كباقي البشر،
فجلسا بعيداً عن القافلة ملتصِقَا اليَدَين، لا يريان مكبًلَين 
حتى اذا جُنَّ عليهم الليل، فَِرق التّاجر وأحسَّ بالويل، ثُمّ أخرج الجوري من جيبه صُرّة، تحوي خليطاً من عشبة الدينار وعشبة الهرَّة*، وجعل ينثر منها في وجه التاجر، فغفى وصار يشخر كالقط الخائر، فقطع الجوري الوثاق، وسرق المال ثم إندثر بالآفاق، حتى إذا أحس التاجر بنا نفيق، إندفع كالناجي من الغريق، فانخبل حين ألفى الغريب قد رحل، وحين عرف أنه سرق غشيته العلل، وصار يبكي وينتحب، وكأنه جأب مضطرب، ثم عاد إلينا يجرُّ أذيال الهزيمة، وكأنه رمي بثالثة الأثافي٭  فشمت به الكلُّ وصار ينظم بالقوافي، وجعلت أقول:

       يــاذاهبــاً للدَّجِّ في الحَجِّ  ** سَرَقوكَ ثُمّ قَلـَوكَ بالهجِّ 
       لا تبكِ كَالمِسكينِ لا تصْرُخ  ** والـنّوح فَلتتـرُكهُ للـعَجِّ 
       أبْكـيكَ أمْ أَهجُوكَ يا هــذا  ** أَرثُوكَ أَمْ ألقَـــاكَ بالبجِّ 
       جَشَعُ النُّفوسِ يَحُطُّ في ضُرٍّ ** والضُّرُّ قَد يَرميكَ للـخجِّ 
       وَلَو اكْتَفيتَ بِما ظَفِرتَ لَما  ** ذُوّقتَ طَعْمَ الفَجِّ مِنْ رَجِّ 

____________________

إضــاءة
# ماذهب ليحج ولكن ليدج: أي ذهب ليتاجر وليس ليؤدي مناسك الحج 

# "عزق لزق، لزق لصق، لصق علق، علق فَرِق، فَرِق غَرِق"
خرجت إلى معانٍ 
عزق لزق: أي غامر وجاء يتاجرني ولزق بي يريد أنا بيخسني 
لزق لصق: عرضت عليه لعبة القيود وقبل
لصق علق: مكبلين معاً في البرية وقد علق بشباكي 
علق فرق: أحس بالخوف لحلكة الظلام وصوت الأعواف 
فرق غرق: خاف فنام فسُرق 

# عشبة الدينار وعشبة الهرة: أعشاب منومة 

# رُمي بثالثة الأثافي: أي مصائب بحجم الجبال وقعت فوق رأسه

# الأثال: المال 

# الرُّجاج من الناس: ضعاف الشخصية 

# فرق: خاف

# جأب: الذكر من الحُمُر الوحشية 

# الهج: الرحيل 

# العج: معروفة وهي عندما تقول لبيك اللهم لبيك في الحج (الدعاء يعني)

# البج: الطعن 

الخج: الإنكسار في المشي والضعف

# الفج: الفظاظة والخشونة والقوة

# الرج: الضعف

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق