خالد حميدة يكتب: الوطن للوطن


أيُّها الوطنُ الدامي..
وداعاً من غيرِ رجعةٍ
أيُّها الوطنُ الدامي..
ها أنا أغادرُكَ الآنَ وأتركُ ورائي كلَّ حروفِ الرجاءِ لِتَخرجَ منّي، لكنَّكَ لم تخرجْ ولن تخرجَ منّي إلّا بصحبةِ روحي.
ماذا أفعلُ معكَ؟ وأنتَ تفرضُ عليّ أموراً وأشياءَ لا يُحتمَلُ العيشُ معها، وأعيش كُرمى وفداءً لكَ لتعرفَ مَن أنت؟ ومَن أنا؟ 
كيف قمْتَ بإلغائي وأنا الذي جعلْتُكَ بعد قلبي قلبي.
قلْ لي يا وطني بمَ تشعرُ الآنَ وقد غرَّبْتني إلى بلادِ الموتِ والخوفِ؟ هل تشعرُ بالتأنيبِ أم أنَّكَ لا تشعرُ بشيءٍ مُطلقاً، أيٍّاً كانَ ما تشعرُ به فأنا ورغمَ كلِّ ما فعلْتُهُ وتفعلُه بي، فأنا أقدِّسُكَ أيُّها الظالمُ، ولكن لتعلمَ أنَّ الطعامَ والشرابَ لم يكُنْ بمقدورِهما أن يُعيناني على الحياةِ لو لم يكونا بأرضِكَ، وأيضاً الحبُّ روحُ الحياةِ وبهجتِها لم يَكُنْ له أيَّ لونٍ وأيَّ تأثيرٍ لو لم يكُنْ بداخلِك، حصلَ ذلكَ وأنتَ في سُباتٍ عميقٍ وبعيداً كلَّ البُعدِ عن أبنائِكَ.
أيُّها الوطنُ الغريبُ..
سأروي لكَ قصّةً لم تكنْ تعلمُها، وهي كَكُلِّ القصصِ التي تَحدُثُ لأبنائِكَ في غفوةٍ منكَ، هي قصةُ فتًى نضجَ وشبَّ في رحابِكَ ثم شعرَ بالخطرِ يُداهمُكُ، فأنضمُّ فوراً إلى أولئك الذينَ يدعون الذودَ عن عرينِ الوطنِ، وتعلَمُ منهم البطشَ والمكرَ والدهاءَ وليتَ كانَ ذلكَ لهدفٍ نبيلٍ، لا بل لتحقيقِ مآربِهم الدنيئَةِ وغدا ذلك الشابُّ واحداً منهم يبطشُ بالرّتبِ الأدنى منهُ، ويبتزُّهم أشنعَ ابتزازٍ، وكم كانَ ظالماً لنفسِهِ؟ لقد تحوّلَ من شابٍّ يملئُهُ العنفوانُ والصدقُ والأملُ والنشاطُ إلى وحشٍ دنيءٍ لا يتورَّعُ عن فعلِ أيِّ شيءٍ يُحقِّقُ ملذّاتِه الشخصيةِ، سواءٌ أكانَ سرقةً أو قتلاً أو نهباً أو حتى اغتصاباً. 
وعَلَتْ ذاتُهُ السّاديّةُ على ذاتِهِ الإنسانيّةِ، وكانَ كلَّ يومٍ يمرُّ عليه يزدادُ عُتوّاً ولم يُعطِ أيَّ أهميةٍ للسنينَ التي تتراقصُ في باحةِ عمرِهِ، ولا تلبثُ أن تتلاشى ومرَّتْ عليهِ السنونُ واشتعلَ رأسُهُ شيباً، وفي رأسِ سنةٍ ميلاديّةٍ حانَ وقتُ تقاعدِهِ، ورحلَ بعدما سلّمَ أدواتِ بطشِهِ وأساليبِ غِشِّه إلى شابٍّ يتلهَّفُ لأنْ يُصبحَ مثلَهُ بالطرقِ السويّةِ.
كم هم ظالمونَ الذين يعمرون بيوتَهم ويخربون الوطنَ؟
كم هم ضالُّون الذينَ يرقصون على جُثّةِ الوطنِ؟
وبعدها نزلَ ابنُكَ الضالُّ إلى المدينةِ لا يلوي على شيءٍ، وقابلَ صديقاً قديماً وأحبَّ أن يحتضنَهُ لكنَّهُ قُوبلَ بالرفضِ العنيفِ، ووبَّخَهُ صديقُهُ قائلاً: كيف أُسلِّمُ عليكَ وقد سلبْتني مالي، وقابلَ آخرَ فردَّ عليه بنفسِ الطريقةِ، وقالَ: أنت الذي انتهكْتَ عرضي وسرقْتَ أرضي، وذهبَ إلى رجلِ دينٍ يشكو له ما يشتكي منهُ، فردَّ دعواه: أنَّكَ أحللْتَ الحرامَ وحرّمْتَ الحلالَ، فاذهبْ إلى بلادٍ غيرِ هذه عسى الله يتوبُ عليكَ ويغفرُ لكَ، ليسَ لكَ من مَسكنٍ في هذا الوطنِ، وغادرَكَ حزينُ الفؤادِ مجروحُ القلبِ يخبِّئ أنينَه في شهيقِه وزفيرِه، ذلكَ أنّهُ وهبَ حياتَه ونفسَه لحمايتِك.
أرأيتَ؟
هكذا يا وطني انتهت قصةُ أحدِ أبنائِكَ والذي جُلَّ ما أرادَهُ هو الذودُ عن حِماكَ فنبذْتَه ونفيتَه..
لكنْ مهلاً..
إنَّكَ يا وطني الجميلَ عبارةٌ عن بضعةِ أمتارٍ فيها جبالٌ وبحارٌ وأشجارٌ، يحلو الحبُّ في ظلِّها إنَّكَ يا وطني واحةٌ غنّاءُ، يحرسُها السلامُ ويلفُّها العطاءُ، إنَك يا وطني ساحةٌ للهناءِ والسعادةِ، أنتَ يا وطني جنَّةُ عدنٍ فيها الجواري الحِسانُ، أنتَ يا وطني آيةٌ من آياتِ الجمالِ الإلهي، ولسْتَ المذنبَ في غربةِ أبنائِكَ عنكَ - وأنا أحدُهم - إنَّهُ ذنبُ أولئكَ الذين يبنونَ مجدَهُم على أطلالِكَ.

ذنبُ الذين حوَّلُوا النورَ إلى نارٍ تحرقُ كلَّ ما حولَها.
ذنبُ الذين جعلُوا الوطنَ الأخضرَ صحراءَ قاحلة.
ذنبُ الذين جعلُوا جنَّةَ عدنٍ بيداءَ قاتلةَ.
وأعدُكَ يا وطني أنَّنا سوياً سننتصرُ على أولئكَ بضعفِنا وحلمِنا ودمعِنا، ونعودُ إليكَ مكلَّلينَ بالغارِ كما يعودُ الوطنُ للوطنِ.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق