عزيز البهجاوي يكتب: لحظة تحرر مصطفى محمود



عندما سأل نفسه (مصطفى محمود) عن أسعد لحظة عاشها في حياته؟
تبادرت لذهنه لحظات كثيرة وإذا صح القول، يمكننا أن نقول أنه قد تبادر لذهنه شريط طويل من المشاهد، لحظة عندما رأى أول قصة تنشر له.. لحظة تخرجه من كلية الطب.. لحظة حصوله على الجائزة الدولة في الأدب.. لحظة تجوله العالم الكبير (ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، غابات إفريقيا...).
كل هذه اللحظات التي تبادرت في ذهن الدكتور مصطفى محمود تعتبر هي السعادة الحقيقية عند أغلبية الشباب.. لماذا قلت الشباب؟ 
لكوني أنا أيضا شاب ولأنني قريب جدا من فئة الشباب، لكن كلامي لا أسثني به أحدا، لا كبار السن ولا صغار، لا رجال ولا نساء.. لكن أحببت أن أتكلم عن الفئة التي أحيط بها كثيرا.
المفكر مصطفى محمود كانت سعادته الحقيقة في لحظة أخرى بعيدة كل البعد عن اللحظات التي تبادرت في ذهنه، لحظة اختلط فيها الفرح بالدموع والشكر والبهجة والحبور، هذه اللحظة الذي حدث فيها كل هذا الإختلاط بين الأحاسيس والحالات الذهنية حينما سجد لله في الليل حيث شعر بكل شيء في بدنه يسجد، القلب يسجد، العظام تسجد، الأحشاء تسجد، العقل يسجد، الضمير يسجد، الروح تسجد..
هذه السجدة جعلت قلقه الداخلي يسكت، كف احتجاجه، ارتضى بالعذاب لأنه رأى فيه الحكمة، رأى كل فعل الله خير، تصريفه عدل، قضائه رحمة، بلائه حب.. تلك السجدة جعلته يدرك هويته وانتسابه، جعلته يعرف شيء لا يعرفه الكثير وهي النفس، أي أنه عرف نفسه.. تلك السجدة جعلت كبره ينتهي، عناده اختفى، تمرده سكن، فشاهد النور والدنيا، سجدة للجبار كانت سبب في تحرره حرية حقة. 
عرف حينئذ  أن تلك هي جنة الأرض التي لا يساويها أي كسب مادي أو معنوي لأنه فك عن يديه القيود التي قيديته بالدنيا وآلهتها المزيفة،المال، السلطة، الشهرة، الغلبة، القوة. 
كل هذه الأشياء تختصر في كلمتين " السلام الداخلي ".
نعم مصطفى محمود شعر بالسلام الداخلي في تلك اللحظة عبر تلك السجدة، كانت لحظة تواصل حقيقي مع الحق لا إله إلا هو، منبع كل الخير، منبع الجمال والجود والعطاء والأهم أنها منبع إيجاد النفس. 
هدفي من سرد هذه القصة الصغيرة للمفكر مصطفى محمود هو إيصال فكرة جل الناس غافلين عنها، رغم أنها كتبت عليها كتب وسجلت عنها محاضرات كثيرة، إلا أن كثير من الناس يؤمنون بها في العلن ويكفرون بها في السر، وهذا بحد ذاته نفاق يزيد من إبعاد السعادة عنا.
الإعتقاد بأن المال سر السعادة هو ليس إلا فكر عبثي تافه لا معنى له، ومصدر هذا الفكر هو نقطة أغفل عنها كل المحاضرين في محاضرتهم، والكتاب في كتبهم، ألا وهي الإعتقاد بأن السعادة الحقيقية هي التعالي بالضحكات والمال ييسر ذلك، وهذا غلط.
المال يسهل الكثير من الأمور، لا يمكننا نكران ذلك، لكنه ليس منبع السعادة، وفي بعض الأحيان قد يكون مصدر الشقاوة. 
أعرف صديقاً لي وجد سعادته في الإستمتاع بالبساطة، ابتعد عن صخب المدينة والتجأ للبحر بأدوات بسيطة يمتلكها الكل إلا الأغنياء لأنهم يمتلكون أفضل منها بكثير، البساطة جعلته يبدع بفيديوهات جميلة جدا. 
كان يقطن في غابة بخيمة بسيطة قطن فيها 15 يوما، لم يكن يمتلك الكثير من المال سوى القليل أعتقد الكل يمتلكه، لكن الأهم وجد سعادته بالخلوة والإستئناس بالله عز وجل استأنس بالله وتأمل في كونه وهذا ما يفتقده الكثير منا.
لذلك، يجب علينا اليوم أن نستمتع بالأشياء التي في حوزتنا، تلك الأشياء البسيطة التي من شأنها لو اقتربنا منها أن تمنحنا ذلك الشعور بالرضى الداخلي وبالتالي بالسعادة.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق