الدكتور مصطفى محمود: لغز الموت



اللغز

كل منا يحمل جثتة على كتفيه، ليس هناك أغرب من الموت، إنه حادثٌ غريب، أن يصبح الشئ.. لا شئ!ثياب الحداد.. والسرادق.. والموسيقى.. والمباخر.. والفراشون بملابسهم المسرحية.

ونحن كأننا نتفرج على رواية.. ولا نصدق ولا أحد يبدو عليه أنه يصدق!حتى المشيعين الذين يسيرون خلف الميت لا يفكرون إلاّ فى المشوار، وأولاد الميت لا يفكرون إلاّ فى الميراث، والحانوتية لا يفكرون إلاّ فى حسابهم، والمقرءون لا يفكرون إلاّ فى أجورهم، وكل واحد يبدو أنه قلق على وقته أو صحته أو أمــواله، وكل واحد يتعجل شيئا يخشى أن يفوته.. شيئا ليس الموت أبداً.إن عملية القلق على الموت بالرغم من كل هذا المسرح التأثيرى هى مجرد قلق على الحياة! لا أحد يبدو عليه أنه يصدق أو يعبأ بالموت، حتى الذى يحمل النعش على أكتافه، الخشبة تغوص فى لحم أكتافه، وعقله سارح فى اللحظة المقبلة وكيف يعيشها!الموت لا يعنى أحداً، وإنما الحياة هى التى تعنى الكل.. نكتة!من الذى يموت إذن؟ الميت؟وحتى هذا.. لا أحد يدرى مصيره!إن الجنازة لا تساوى إلاّ مقدار الدقائق القليلة التى تعطل فيها المرور وهى تعبر الشارع، وهى عطلة تتراكم فيها العربات على الجانبين، كل عربة تنفخ فى نفيرها فى قلق؛ لتؤكد مرة أخرى أنها تتعجل الوصول الى هدفها، وأنها لا تفهم هذا الشئ الذى إسمه الموت.ما هو الموت.. وما حقيقته؟!ولماذا يسقط الموت من حساباتنا دائماً حتى حينما نواجهه؟!لأن الموت فى حقيقته حياة، ولأنه لا يحتوى على مفاجأة، ولأن الموت يحدث فى داخلنا فى كل لحظة حتى ونحن أحياء! كل نقطة لعاب.. وكل دمعة.. وكل قطرة عرق، فيها خلايا ميتة نشيعها إلى الخارج بدون إحتفال!ملايين الكرات الحمر تولد وتعيش وتموت فى دمنا، دون أن ندري عنها شيئا، ومثلها الكريات البيض، وخلايا اللحم والكبد والكلي والأمعاء، كلها خلايا قصيرة العمر تولد وتموت ويولد غيرها ويموت، وتدفن جثتها فى الغدد، أو تطرد فى الإفرازات فى هدوء وصمت، دون أن نحس أنّ شيئا ما قد حدث.مع كل شهيق وزفير.. يدخل الأكسجين.. مثل البوتاجاز إلى فرن الكبد فيحرق كمية من اللحم ويولد حرارة تطهى لنا لحما آخر جديدا نضيفه إلى أكتافنا.هذة الحرارة هى الحياة! ولكنها أيضا إحتراق.. الموت فى صميمها.. والهلاك فى طبيعتها.أين المفاجأة إذن؟! وكل منا يشبه نعشاً يدب على ساقين، كل منا يحمل جثته على كتفيه فى كل لحظة! حتى الأفكار تولد وتورق وتزدهر فى رؤوسنا ثم تذبل وتسقط، حتى العواطف، تشتعل وتتوهج فى قلوبنا ثم تبرد، حتى الشخصية كلها تحطم شرنقتها مرة بعد أخرى، وتتحول من شكل إلى شكل!إننا معنوياً نموت، وأدبيا نموت، وماديا نموت فى كل لحظة، وأصدق من هذا أن نقول أننا نعيش.. ماديا نعيش وأدبيا نعيش ومعنويا نعيش؛ لأنه لا فرق يذكر بين الموت والحياة؛ لأن الحياة هى عملية الموت.لأن الأوراق التى تنبت من فروع الشجرة، ثم تذبل وتموت وتسقط.. وينبت غيرها.. وغيرها.. هذه العملية الدائبة هي الشجرة..! لأن الحاضر هو جثة الماضى فى نفس الوقت!لأن الحركة هى وجودي فى مكان ما وإنعدامي من هذا المكان فى نفس اللحظة، فبهذا وحده أمضي وأتحرك.. وتمضي معي الأشياء.لأن الحياة ليست تعادلية كما يقول توفيق الحكيم، ولكنها شدّ وجذب وصراع بين نقيضين، ومحاولة عاجزة للتوفيق بينهما فى تراكيب واهية هي في ذاتها في حاجة للتوفيق بينها.. مرة.. ومرة ومرات.. بدون نهاية وبدون نجاح أبدا.. وبدون الوصول إلى أي تعادلية..!الحياة ليست تعادلية بين الموت والوجود ولكنها إضطراب بين الإثنين وصراع يرفع أحدهما مرة ويخفضه مرة أخرى.الحياة أزمة.. وتوتر..! ونحن نذوق الموت فى كل لحظة، ونعيشه فلا نضطرب بل على العكس.. نحظى بكياننا من خلال هذا الموت الذى فى داخلنا، ونفوز بأنفسنا، وندركها، ونستمع بها..! ولا نكتفي بهذا، بل ندخل في معركة مع مجتمعنا، وندخل فى موت وحياة من نوع آخر! موت وحياة على نطاق واسع تتصارع فيه مجتمعات ونظم وتراكيب إنسانية كبيرة..! ومن خلال هذا الصراع الأكبر، نحس بأنفسنا أكثر.. وأكثر.. إنها ليست خلايا تولد وتموت فى جسد رجل واحد، ولكنها أيضا مجموعات بشرية تولد وتموت فى جسم المجتمع كله، إنها الموت يحدث على مستويات أكبر..! الموت إذن حدث دائب مستمر، يعترى الإنسان وهو على قدميه، ويعتري المجتمعات وهي في عنفوانها.وهو فى نسيج الإنسان، فى جسده، وفي كل نبضة ينبضها قلبه مهما تدفقت بالصحة والعافية.وبالموت تكون الحياة، وتأخذ شكلها الذى نحسه ونحياه، لأن ما نحسه ونحياه هو المحصلة بين القوتين معا، الوجود والعدم وهما يتناوبان الإنسان شدا.. وجذبا.ما السر إذن فى هذه الدّهشة التى تصيبنا حينما يقع أحدنا ميتا؟! ولماذا يبدو لنا هذا الحديث غريباً، غير معقول، غير قابل للتصديق؟! ولماذا نقف مشدوهين أمام الحادث نكذب عيوننا.. ونكذب حواسنا.. ونكذب عقلنا، ثم نمضي، وقد أسقطنا كل شيء من حسابنا.. وصرفنا النظر.. وإعتبرنا ما كان.. واجبا.. ولباقة.ومجاملة.. أديناها وإنتهينا منها..!لماذا لا نحمل هذا الحادث على محمل الجد؟! ولماذا نرتجف من الرعب حينما نفكر فيه، وتنخلع قلوبنا حينما نصدقه وتضطرب حياتنا حينما ندخله فى حسابنا ونضعه موضع الإعتبار؟!السبب أنه الحادث الوحيد المصحوب برؤية مباشرة؛ فما يحدث داخلنا من موت لا نراه، لا نرى كرات الدم وهى تولد وتموت، لا نرى الخلايا وهى تحترق،لا نرى صراع الميكروبات وهي تقتلنا ونقتلها، وخلايا لا ترى نفسها وهى تفنى..! كل ما يحدث فى داخلنا يحدث فى الظلام، ونحن ننام ملء جفوننا، وقلوبنا تدق بانتظام وتنفسنا يتردد فى هدوء..!الموت يسترق الخطى كاللص تحت جنح الليل، ويمشى على رؤوسنا فتبيض له شعراتنا.. شعرة.. شعرة، دون أن نحس؛ لأن دبيبه وهو يمشي هو دبيب الحياة نفسها..!إن أوراق الشجرة تتساقط، ولكن الشجرة تظل ماثلة للعيان دائمة الخضرة، دائمة الإزدهار! تظل هكذا حتى تهب عاصفة تخلعها من جذورها، وتلقي بها فى عرض الطريق..! وحينئذ فقط يبدو منظرها قاتما يبعث على التشاؤم،تبدو فروعها معروقة عارية.. وجذورها نخرة.. وأوراقها مصفرة . لقد إنتهت.. لم تعد شجرة.. أصبحت شيئا آخر.. أصبحت خشبا..!وهذا هو ما يحدث، حينما نشاهد الإنسان وهو يسقط جثة هامدة، إنه يبدو شيئا آخر، ويبدو الحادث الذى حدث فجأة، حادثاً غريبا بلى مقدمات؛ لقد إنتهى الإنسان كله فجأة، ويبدأ العقل في التساؤل.. هل أنتهي أنا أيضا كل فجأة.. كما إنتهى ذلك الانسان.. وكيف ولا شيء في إحساسي يدل على هذه النهاية أبدا؟! كيف يحدث هذا، وأنا جياش بالرغبة، ممتلئ بالإرادة، بل أنا الإمتلاء نفسه؟! كيف يتحول الإمتلاء إلى فراغ.. وفجوة؟!أنا.. أنا؟! الذي أحتوي على الدنيا، كيف أنتهي هكذا وأصبح شيئا تحتوي عليه الدنيا؟!أنا؟! إن كلمة "أنا" كلمة كهربائية، إنها كالضوء أرى بها كل شيء، ولا يستطيع شيء أن يراها، إنها أكبر من أي كلمة أخرى وأكبر من أي حقيقة، لأن بها تكون الحقائق حقائق..! إنها فوق كل شيء، وفوقي أنا أيضا لأنها تراني وتشعر بي، إنها مصدر الإشعاع كله، وحيث يتمثل لى هذا المنظر المفجع الذي يلقي فيه إنسانٌ مصرعه، فهي فوق هذا المنظر أيضاً لأنها تراه، وتطل عليه، وتطل على هذه الطبيعة من مكان ما، فوق المكان.. وفوق الطبيعة.. وفوق قوانينها.. وفوق ظواهرها..!أنا أموت؟!من أنا..ومن هو الذي مات؟!إنه بعضٌ مني، منظر من ملايين المناظر التى تعبر خاطري، فكيف أموت أنا أيضا؟!إن التساؤل ما يلبث أن يتحول إلى تمزق فظيع يحطم فيه المنطق نفسه بنفسه، ويصطدم بإستحالات لا حل لها..! وهكذا تبدأ المشكلة الأزلية لغز الموت..!إن مصدر اللغز، هو هذا الموقف الذي ينتقل فيه العقل من رؤية مباشرة للموت إلى إستنتاج مباشر، عن موته هو أيضا..! وهو أبو الأشياء، ونظامها، وتفسيرها، ونورها..!ولكنه يعود فيقول: لا..!إن الذين يموتون هم الآخرون، إن التاريخ كله لا يروي قصة واحدة عن موت الـ "أنا".إن الموضوعات تتغير وتتبدل وتولد وتذبل وتموت، والآخرون يموتون، أما أنا.. هذه الـ "أنا" لا توجد سابقة واحدة عن موتها!أنا من مادة أخرى غير كل هذه الموضوعات، ولهذا أمسك بها وأتناولها وأفهمها.. ولا أستطيع أن أمسك بنفسي وأتناولها وأفهمها..!أنا فوق متناول الجميع، وفوق متناولي أنا أيضا!وفوق متناول القوانين والظواهر، هناك حلقة مفقودة..!وهي تفتح بابا تدخل منه الفلسفة، ويتسلل منه الفكر، ولكنه باب ضيق، ضيق جدا..!يؤدي إلى سراديب أغلبها مغلق، ورحلة الفكر في هذه السراديب مخيفة مزعجة ولكنها تثير الإهتمام..!وأي شيء يبعث على الإهتمام أكثر من الحياة.. والمصير.. ومن أين.. وإلى أين.. وكيف؟!

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق