عصماء أيمن قنبر تكتب: رسالة رحمة


-أحامِلٌ حقاً؟  
-مُبارك عزيزتي، أتمنى لكِ مولوداً صالحاً 
-لكَ الحمدُ ياربي لجلالِ وجهك وعظيم سلطانك 
إنتظرته كثيراً لا أصدق، الدنيا لا تتسعُ لفرحي الآن.

أمي، أنا هو مستوطنُ جوفكِ الآن وشريكُ قلبكِ العذب الّذي لا أظن أن دخيلاً يجلبُ التعبَ مثلي يستحقُه، 
أراكِ غارقة بتعبٍ مُلتصق بي، أؤمن أن مجيئي لهذه الدنيا كعذابٌ لطفلٍ أحمق، أعتذر لكِ لإعيائكِ بهذا الشكل الأليم، لكن ما باستطاعتي شيءٌ حقاً، فأنا طفلٌ صغير مسلوبُ الإرادة الآن. 
أعتذرُ لكِ من قلبي الّذي لم يكتمل بعد، لكنهُ أحبكِ قبلَ البدايةِ حتّى.

تمرُ مراحلُ حملكِ بي، وأنا يشتدُ الفرح داخلي مُسرّعاً إيّاي للمجيء، لأحتضنكِ وتقبلينني رداً فيغمُرني العالمُ بأمانٍ لا ينتهي.

عند آخرِ زيارةٍ للطبيبة رأيتكِ تبكين، قد كان يئنُ قلبي معكِ بضرباتِه الصغيرة الغير منتظمة، فأصبحت أطرافي بعنفوانٍ غبيّ و دون إرادةٍ منّي تضربكِ بركلاتٍ موجعة لي أولاً و لك، ما شلّني لحظتَها أنني لستُ قادرٍ على فعلِ غيرها، ناظرتُكِ من جوفِك في مكانٍ سريّ لا تعلمين عنه رأيتكِ و قد وقعتِ أرضاً لدى عِلمك بأنني لست طبيعيّ، أيّ لست مثل جميعُ أقرِبائك لأنني سأعاني من متلازِمة داون الأبديّة، ناشدتكِ كثيراً لتكفّي عن البكاء 
بُّحّ صوتي الضعيف، وأنا أكرر بأن لا تبكي لحالي، أنا طفلٌ لكنني أشعرُ بك، موصولٌ بحبلكِ السريّ لأبقى على قيد الحياة وقيدِك، ثابتٌ بقربٍ خفيّ لقلبكِ شاعِراً بحواسِه.

أعلمُ أنكِ خائفة لمجيئي وماذا قد يُسمعني الناس وإياكِ عن جميع الأشياءِ التي سأحُرَم. 
أمي أنا غريب لكنني بشرٌ مثلهم، سأكبر أمام عيناكِ ولكن بفرقٍ شكليّ أو عقليّ أو جسديّ بالكامل، سأتقبلُ ذاتي مهما كنتْ، يكفيني أنكِ أمي لأُحبَّ نفسي حباً جما، 
أعلمُ أنكِ قلقة لعجزكِ تجاهَ مواجهة كلُ من سنقابل أنا وأنتِ معاً، لا تضعفي أمي، أنا قويّ بِك، ولستُ أرى الحياة إلا بمحورِ عيناكِ، أرجوكِ عانقيني بإبتسامةِ ثغرك الّذي أغرِمت.
أواسي نفسي بأنني سأشعر وأحبّ وأعمل وأدرس، أعلمُ أن وجودي بمجتمعٍ أحمق لا يُحَبِّذ وجودَ أشباهي، هو كجرحٍ دائمٌ لعائلتي ولأمهاتِ أصدقائي، لا تنسوّ أنني مُرغم حقاً، وأن ّجميعُ من مثلي مُرغمون ولطفاءاً أيضاً.
لا أدري لمَ يخاف الأطفالُ مِنّا، أحقاً سأصبحُ مُخيفٌ بغرابةِ وجهي، أو عدمُ إتزان عقلي الصغير في بعض الحالات، أستخجلين بذهابي معكِ لحفلاتِ الزواج أو أعياد الميلاد، أمي يكاد فؤادي يخرُّ مفجوعاً ببكاءٍ أجش لتطّرق هذهِ الأفكار إليّ! 
أرجوكِ لا تدعي الخوفَ يصلُني مُبكراً، أحبيني كما أحببتِ مجيء طفلكِ الّذي كان سيأتي قبلي أو بعدي، رباه أعِنّي، لا يهم الآن، سأنامُ لأتوقف عنّ إعيائكِ كعادتي.


طفلي ووليدُ رحمي. 

لا أعلمُ كيف ستكونُ تفاصيل وجهكَ التي رأها قلبي قبلُ عيناي،
يداك الصغيرتان، وأصابعك المحشوّة بأمانٍ مضاعف، لستُ صابرة للمسها، كانَ الله في عوني لثمانيّةِ أشهرٍ بإنتظارك. 

أصبحَ ثغري دائمُ الابتسام منذُ أنّ تعمّرَت نُطفةً تشيرُ إليكَ في جوفي، 
أنتَ تُتعبني حقاً لكن التعب منكَ هو جلُّ ما أحِبّ 
أتعلم، تشتدّ أضلاعي حباً بك كلّ ما ركلتني بركلاتِك الصغيرة الّتي تدغدغُ أطرافي بنكهةِ الحنو،
رباه، الكلامُ عنكَ لا ينتهي، فأنتَ مُهجة الفؤاد، وبطلي الأوحد. 

عندما علمتُ بأنك ستعاني طوالَ حياتِك، بُنيَّ الألمُ في قلبي وذرفت عينايَ شلالاتٍ دمعيّة لم تتوقف سوى لخوفٍ لُصِقَ بي منذُ أن بدأتَ بضرباتك الموجعة تلكم.

أظنكَ لحظتها قد عرَفت مدى معاناتك للأيامِ التاليّة، 
أعلمُ أنك بريئ وطفلٌ لطيف مكسوٌّ في تفاصيلُكَ الفرح، لكنني خائفة.. 

خائفة من أنني، ماذا إن لم أستطع؟ ماذا إن قاموا بجرحنا في كلامٍ قاسٍ لن يتحمله قلبينا، ماذا إن قاموا برميكَ في ألدّ الشتائم صعوبةً، 
ماذا سأفعلُ حينها يا صغيري، كيف سنقاوم ونقاوم ونحن ضعفاءٍ بحماقة، 
تلتئمُ الجراحُ في قلبي بحنانٍ بالغ، أمّا عقلي فتستوطنُ به أفكاراً للخلاصِ منك، خوفاً من مستقبلٍ أليم سيرافقُك، أُبعدُ الحماقة عنّي وأفكرُ بدلاً منها، في الأيامِ الجميلة الّتي سنعيشها معاً


كيف ستكبر أمام عيناي، وتصبح قلبي المتحرك هُنا وُهناك، 
ستمشي بأشكالٍ مضحكة، تارةً تقع وتارةً تقف، لتقفَ معكَ كل الحشود في جوفي فرحاً بك، سنذهب إلى كل الأماكن الّتي تُحِب،
أغمركَ مرّة، لتغمرني مرّاتٍ أكثر


لاتخف يا صغيري، لن أعاقبك بضربٍ مبرح لذنبٍ إقترفته، سنصلحهُ معاً وأعنفكَ بإخبارك أنك حُرِمتَ الإحتضان ليومٍ واحد، لأبقيك نائماً في كلِ سويعاته، بغيةَ إحتضانك سراً.

عِوضاً عن رؤية شكلك ومكنوناتِ جسدك بأنها مختلفة، 
سأراكَ كوردةٍ غارقة في الندى، تجلِبُ الأحباء لها دوماً،
 عاهدني أنّكَ لن تخف ولن تبكي لإختلافكَ يوماً 
عِدني أنّك ستجعل منه، لوحةً مُذهلة ذاتَ دهشةٍ لا يقلُّ توهجها.

رباه، أكنتَ تتنصتُ أيّها الشقيّ، ألمتني ركلتك، قد كان باستطاعتك وعدي بشكلٍ أخفّ، عُد لنومكَ الآن في مكانٍ لن أحبَّ ساكناً به سِواك.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق