فرح أسعد تكتب قصة قصيرة بعنوان: روح من ياسمين


لا أزال أصادف أناسا تعد فنجان القهوة في كل صباح بجانب عريشة الياسمين على شرفة أدسها بالقذائف كلما أصابني الضجر
يضحكون وبسم الله يرشفون الفنجان، وكم أشك بي!
عندما يخلدون للنوم يعدون النجوم عوضآ عن عد النكبات والعفاريت والجثث ،مابالهم لم تعد تشتتهم أصوات الذئاب!
يمشون على سكين من الذكريات المرعبة ولا يقعون بين أنيابي، وكم أخاف مني في تلك اللحظة؟ 
أصبح بوسعي أن أبصر لطف الله في إبتسامة الأطفال اليتامى المختبئين في الأزقة المعتمة، تلك التي كنت أتخفى فيها أنا والأباليس الصغار نعد المكائد والمصائب لآبائهم وأمهاتهم فيما مضى
أدهشتني قوة الله وأنا أراقب فتاة أنقذوها بالأمس من كومه الركام تحاول السير على قدميها من جديد
لم أكن أصدق أن بوسعي رؤية بصمات الله في كل مكان..وكأن الله أسدل أجنحته على هذه المدينة 
ولهذا بت أخاف المكوث فيها مدة أطول.
حاولت منذ بدأ الزمان بناء جسر عال أصعد فيه إلى السماء السابعة لأواجه الرب.. وكنت أصف أجساد البشر واحدآ تلو الآخر، وحالما بدأت تنفذ جثث المقابر أصبحت أحاول زرع الفتن في هذه الأرض كي يقتل الأخ أخاه والإبن أباه دون أن أقاربهم بمخالبي فدماء البشر تسبب لي الجذام
دخلت البيوت والمساجد والمدارس والكنائس كنت بمنتهى السهولة أدفعهم ليقتلوا بعضهم البعض وتزداد الجثث وهكذا سيكتمل بناء الجسر وسأصعد على هياكلهم لأصل إلى الله وأحاربه وجه لوجه
لكن الأحياء في هذه المدينة استبدلوا طقوس العزاء وأصبحوا يأتون كل فجر ويسحبون القتلى ويصلون عليهم ويدفنوهم تحت جذوع الأشجار
وكلما نبشت القبور من بعد رحيلهم، تختفي الجثث ولا أجد سوى شاهدات قبور تنطق أنهم شهداء يربطون أمواتهم بحبال عصماء من الوفاء والدعاء ويحيون أمواتهم كأنهم ونبضات صدورهم سواء 
كم أغضبني إصرارهم على تحديهم لي، وجبروتهم الذي يقف حائلا بيني وبين جسري العتي
كيف بوسعهم أن يكونوا بكل هذه الصلابة، من أين جلبوا الأزهار للصباح، وكيف إستطاعوا النجاة بكوب قهوة؟
من أطلق سراح ابتساماتهم، وجعلهم يتفائلون وبعزم جسور يتنفسون؟
من سمح لهم أن يكونوا كالأنبياء؟
منذ وطئت هذه البلاد وأنا منبوذ عن عالم الشر
سرب فراشات مر بي وماظننت نفسي يومآ بستان زيتون ولا شتلة برسيم تدهش الخراف الخرقاء
لكنهم التهموني وكسروا الضلوع وأخرجوا شراييني السوداء وإبتلعوها
رغم مذاقي المر المتخمر بالرجس، لكنهم لم يتوقفوا عن تناولي والتغصص بشوك أحلامي المغروس بين الضلوع
كما لو أني لا أشابه الفزاعة.. لم تخشاني طيور السنونو، وبنت فوق رأسي أعشاشها وها هي تغني لي ككل يوم 
(متى ستصاب أيها الوسواس بالصفاء
سنأخذك ذات يوم معنا إلى السماء
تهمس لنا أكرهكم
ونهمس لك نحب رب السماء)

من أين جلبوا ماء الكوثر وغسلوا به جراحهم، وتطهروا من الخطايا ومني؟
وكيف بأسنانهم المتكسرة يبتسمون، دون أن يخشوا شتم وعواء الأشرار؟
ما بالهم بالأمل يستنجدون، وبرب يتخلى عنهم في كل كرب مؤمنون؟
كم أخشى علي الغوص مثلهم في طين الخليقة المسكين، على دعوة غضة بأن ينبت مني الحبق، ويتسارع لنجدتي الغد ويحبني الله والأنبياء
أنا ظل رجيم أنا شرير عظيم.. بحقدي ونبضي الصدأ مطمئن سعيد.. لن تتغلبوا علي أبدا.. أبداً

وظل يقهقه ويقهقه.. ثم يبكي دونما سبب
يبدو أن الشيطان صدق كذبته الأبدية بأنه مخلوق من نار الجحيم ولن يندم أبدا ولن يحب الله، وسيفوز..
لكننا تحديناه بشيء أسطوري يدعى روح الياسمين
فاشتعلنا في هذه البلاد كأننا مخلوقون من النيران ولم نمت، ولم نتحول لشياطين، بل أحببنا الله أكثر، ومددنا أجنحتنا للعطاء كالنسور الهاربة من ديارنا بل كطير مجنح لا يقهر
وكلما هاجمنا كره الأوغاد سجدنا،فلا تعجبوا ألا ظهور لنا تسندنا
وظلت الأوجاع تقتطع من أجسادنا، حتى إصطفتنا السماء، وسنسير إلى الصراط كزغب أبيض دونما خوف من السقوط
فنحن الآن أتقياء نحن الآن روح من الياسمين.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق