خالد حميدة يكتب: أوتار الحياة



في البدءِ لم تكنْ سوى فكرةً تتنقلُ في الرّأسِ لكنّها راحتْ تزدادُ نمواً ونُضُجاً. 
مرّةً كَبُرتْ وصارتْ خاطرةً فسُطِرتْ على قرْطاسٍ عتيقٍ.
ومنذُ أمدٍ ليسَ ببعيدٍ راحتْ تأخُذُ تلك الفِكرةُ أبعاداً جديدةً، فصارتْ أملاً بعلاقةِ حُبٍّ يتبعُها زواجٌ فتكونَ علاقةً أزليّةً... لكنْ على ما يبدو أنَّ تلكَ الفِكرةَ ستظلُّ قابعةً في قُرارتِهِ هكذا، أيقنَ عندما بدأَ يطرحُها مع نفسِه للحوارِ.
فقد كانَ منذُ البِدايةِ عملياً فوقَ العادةِ ولا يأبَهُ لأيّ مشاعرٍ تعيشُ داخِلَهُ، لكنّهُ وفي الوقتِ نفسِهِ كانَ يُقدّرُ تدفُّقَ مشاعرَ الآخرين نحوَهُ أو نحوَ غيرِهِم، وهذا كانَ أحدُ تناقُضاتِهِ.
لقد كانَ بحدِّ ذاتِهِ مُجتمعاً من التناقُضاتِ، وكانَ يكوّنُ كثيراً من القناعاتِ دونَ أن يجرّبها لكن عندما تستدعي الحاجةُ أن يجرِّبَ إحداهُنّ تكونُ عندَ حُسنِ ظنّهِ وفكرِهِ.
هكذا عاشَ بين عالمَينِ مُختلفَينِ أحبَّ نارَ الحبِّ وطلبَ الوِدَّ من شوكِ الوردِ كانَ ينتظرُ الشِتاءَ كي يصلِبَ نفسَهُ أمامَ العواصفِ والصواعِقِ، إلّا أنَّ مَن كانَ حولَهُ سَئِموا من جنونِهِ ورمَوا بهِ في عالمٍ حُرٍّ لا يوجدُ فيهِ أشياءَ محظورةً ولا مُحرّمةً، فعاشَ مع المجانينَ دونَ أن يُجنّ. كانَ ذلك رأيُ الطّبيبِ الذي فحصَهُ وقالَ لديه انفصامٌ بشخصيّتهِ ولن تنفعَ معهُ الأدويةُ على المدى القريبِ.
في المشفى وبعد مرورِ عشراتِ الأيامِ أيقنَ أنّه لم يكُنْ يعيشُ سوى لنفسِهِ، وابتعدَ عنهُ كُلُّ الأحبابِ والأصحابِ. فاتّخذَ لنفسِهِ من الصّمتِ رداءً يسترُ بهِ جَسَدَهُ ونَفْسَهُ المريضةَ بحسبِ الطّبيبِ.
تتالتِ الأيامُ... والصّمتُ يعيشُ في كُلِّ جنباتِ حياتِهِ اليوميّةِ، كانَ يأكلُ الصّمتَ ويشربُهُ وأحياناً كثيرةً يتناولُهُ مع الدّواءِ. 
في قرارتِهِ كانَ يتوقُ للتّحدُّثِ مع أحدِهِم ليقولَ له "إنَّهُ بسببِ حُبّهِ للوجوهِ الأخرى من الأشياءِ جرّدوهُ من عقلِهِ" لكنْ إلى مَن يتحدَّثُ؟ إلى شخصٍ يحسَبُ نفسَهُ يقودُ سفينةً وقدماهُ على الأرضِ أو إلى آخرَ يجمَعُ الشَّمسَ بالنّهارِ لِتُضيءَ لهُ في الليلِ.
في أحدِ الأيامِ انفضّتِ الرّتابةُ من المشفى بسببِ قدومِ امرأةٍ في روحِ الصِّبا ينسابُ الجمالُ من تحتِ جسدِها المُلقى على حمّالةٍ يحملُها الممرّضين لأنّها حاولتِ الانتِحارَ بطريقةِ الكِبارِ والمشاهيرِ، وتناولتْ كميّةً كبيرةً من حُبوبِ النّومِ دونَ أن تترُكَ تفسيراً منطقيّاً لِفعلَتِها تلك... وكالعادةِ كُلٌّ كانَ له منطِقُهُ وتعليقاتُهُ، أحدُهُم قالَ: لا بُدّ أنَّ أحدَ الوحوشِ سَلَبَها أعزَّ ما تملكُ فخشِيتْ مِن أهلِها وأقدمَتْ على الانتحارِ وقالَ آخرُ: إنَّ فتاةً في عُمرِها تجاوزتْ عُمرَ المُراهقةِ والانجِرارِ وراءَ الشُبّانِ أنا أجزمُ أنّها فقدتْ والديها في حادثِ سيرٍ وانتحرتْ، ضحكَ ثالثٌ وقالَ: أنتم مجانينُ، بلِ النّساءُ جميعهُنّ مجنوناتٌ... أنا متأكّدٌ أنّها لم تنلِ العلامةَ المطلوبةَ لقبولِ الماجيستيرِ فأقدمتْ على الانتحارِ.
وأسرعَ الأطباءُ إلى غرفةِ العنايةِ الفائقةِ وسَبَقَتْهم المرأةُ المُلقاةُ إليها، طالَ الأمرُ ثلاثَ ساعاتٍ وبعدَها خرجُوا فرحينَ لقد نجحُوا في إعادةِ شِبهِ الحياةِ للجميلةِ ذلكَ أنّ الحبوبَ التي تناولَتْها أحدثتْ تلفاً في قلبِها سوفَ يمهلُها أسبوعاً آخرَ من حياتِها قبلَ أن تموتَ. 
في صباحِ اليومِ التالي استعادتِ الفتاةُ وعيَها من أثرِ التخديرِ، وقامتْ بنظرةٍ واسعةٍ في الغُرفةِ التي أسكنوها إيّاها، فلم تكتفِ بالغُرفةِ وأرادتِ التِّجوالَ أكثرَ. كانتْ تحسبُ نفسَها أنّها في القبرِ، لكنْ لم يحدُثْ أبداً أنّ أحداً تحدّثَ عن وجودِ كهرباءَ وأسرَّةً في القبورِ، سألتْ أحدَهُم: هل نحنُ في البرزخِ؟ فأطلقَ ضحكةً...ثمَّ قالَ: لا لسنا في البرزخِ لقد تجاوزْناهُ منذُ أمدٍ بعيدٍ، نحنُ في جهنَّمَ!!!!
بعدَ حينٍ اكتشفتْ أنّها لم تمُتْ بل ستعيشُ أسبوعاً آخرَ قبلَ أن تموتَ -هكذا قالَ الأطباءُ-وفي بقيّةِ اليومِ استمرَّتْ في البحثِ عن شيءٍ تُضيّعُ به آخرَ أسبوعِ حياتِها فعرفَتْ أنّها في مصحٍ للأمراضِ العقليّةِ...
وعَلِمتْ أنّ جميعَ مَن حولِها مجانينَ إلّا ذاكَ الشابُّ الذي غطّى نفسَهُ بالصّمتِ، لقد أحسّتْ في داخلِها أنّهُ ليسَ مجنوناً كالآخرينَ وأرادتِ التعرُّفَ عليهِ، فاقتربتْ منهُ وألقتْ تحيةً هادئةً فردّ عليها بصمتِهِ... كرّرَتْ تحيّتَها الهادئةَ فكرّرَ صمتَهُ المُحيّرَ. 
أثارَ أمرُ ذاكَ الشابِّ فضولَها ووضعَتْ هدفاً لآخرِ أسبوعٍ من حياتِها هو كشفُ غموضِ الشابِّ الصّامتِ وانصرفَتْ إلى شؤونِها. 
في اليومِ الذي تلاهُ ذهبتِ الفتاةُ إلى حيثُ يجلسُ هدفُها، وألقتِ التّحيةَ فردّ صدى صوتُها التحيّةَ، ثارتْ قليلاً ولم تُشعـِرِ الشابَّ بذلكَ ثمَّ قالَتْ: أنتَ شخصٌ مجنونٌ فعلاً وإنْ لم تكنْ كذلكَ لَمَّا وضعوكَ هُنا لكنّي لا أعرفُ لماذا أشعرُ بداخلي أنّكَ سليمٌ مِن أيّ جنونٍ، الآنَ قُصّ عليّ سببَ وجودِكَ هُنا، هيّا تحدثْ إنّي أسمعُكَ، ألا تجرؤُ على سردِ قصّتكَ كانُوا يقولونَ خُذِ الحِكمةَ من المجنونِ، أيُّ حكمةٍ وأنتَ لا تتكلمُ أبداً؟ هل أنتَ أبكمُ؟ لا. لسْتَ كذلكَ لقد سألتُ الأطباءَ وقالُوا أنّكَ مجنونٌ غيرُ كُلّ المجانينِ ولِسانُكَ يعملُ بشكلٍ جيّدٍ، ولكنّي لسْتُ أفهمُ لماذا تصمتُ؟ها لقد عرفتُ لِمَ أنتَ هكذا؟ لأنّكَ جبانٌ!!! نعم جبانٌ وتخشى من الدّنيا كثيراً وتخشى الناسَ أكثرَ بكثيرٍ، ياللسُّخريةِ في أنْ يكونَ رجلٌ في غايةِ الجُّبْنِ لو أنّ اللهَ خلقكَ أنثى لكانَ لديكَ بعضُ الحقِّ في أنْ تخشى كُلَّ شيءٍ حولكَ، هل تعلمُ أنّي أنا الفتاةُ التي تقولون عنها أنتم معشرَ الرّجالِ أنّها بنصفِ عقلٍ ولا تفقهُ شيئاً مِن الحياةِ امتلكْتُ شجاعةً أكثَر منْكَ، لقد واجهْتُ الموتَ لِلاشيء بل لِمجرّدِ أنْ أتعرّفَ عليهِ، وهاهو سينتشِلُني بعد بِضعةِ أيّامٍ، وأنتَ إن كُنتَ لا تُريدُ هذه الحياةَ فانتحرْ، ولكنّك لن تستطيعَ لأنّ الخوفَ يسري في عروقِكَ مع الدّمِ، هكذا أنتمْ معشرُ الرِّجالِ، تتبنّونَ القوّةَ وأنتم في أشدِّ حالاتِ الوهنِ.
فانتفضَ من مكانِهِ وصمتِهِ، وقالَ: صدقْتِ أنتنَّ فعلاً بنصفِ عقلٍ... هل يُقدمُ أحدٌ على الانتحارِ لكي يُجرّبَ الموتَ؟ أنتِ تكذبينَ لم تنتحري لتُجرّبي الموتَ بل لتهرُبي من مُشكلاتِكِ إلى الموتِ ظنّاً منكِ بأنّهُ أهونُ من المشاكلِ، ولكنّكِ لم تدركي أنّ الحياةَ بأكملِها لُعبةً، الّلبيبُ مَن يُدرِكُ كيفيَةَ لعِبِها. 
وعندها تسمّرَتِ الفتاةُ في مكانِها وتحشرجَتِ الكُليماتُ في حلْقِها، أحسّتْ أنَّ حِبالَها الصوتيّةَ قد تقطّعتْ ولم تكنْ لِتعلمَ أنّ ذاكَ الشابَّ سيرُدُّ عليها بتلكَ الطّريقةِ، فانزوتْ على نفسِها وجرَّتْ أذيالَ خيبتِها بعدَ الردِّ العنيفِ الذي لاقَتْهُ من هدفِها وفي طريقِها إلى غُرفتِها راحتْ تُفكِّرُ لماذا حدثَ ذلكَ؟.... مَنِ الذي أخطأَ بحقِّ مَنْ؟ قالتْ لنفسِها: أنا أردْتُ التعرُّفَ إليّهِ فقط ومعرفةَ السرِّ الذي يكمُنُ وراءَ صمتِهِ؛ لكنّني أهنتُهُ واتّهمتُهُ بالجُبْنِ، وهو أيضاً لمْ يتحرَّكْ ولم ينطِقْ ببنتِ شفةٍ عندما تودّدْتُ إليهِ، لقد تجاهلَني وهذهِ إهانةٌ عظيمةٌ لأيِّ فتاةٍ لن أغفِرَها لهُ، من الأساسِ أنا لستُ مهتمّةً بهِ إنَّهُ مُجرّدُ معتوهٍ. تابعَتْ طريقَها وتناسَتْ ذاكَ الشابَّ وسِرِّهِ وراحَتْ تبحثُ عن أمرٍ آخرَ تملأُ بهِ أسبوعَها الأخيرَ.
 أمّا الشابُّ فحدّثَ نفسَهُ: ما هذا؟ ما الذي تعرفهُ الفتاةُ عنّي وعنِ الدُّنيا بأكملِها حتّى تتكلّمُ هكذا؟ فِعلاً إنّهُنَّ فارغاتٌ من أيِّ عقلٍ، لو كانتْ شابّاً وتكلّمَ معي مثلما تكلّمَتْ لأفرغْتُ قهري كلّهُ في جَسده، لكنّها فتاةٌ تتكلّمُ لِمُجرّدِ التكلُّمِ والعبثِ لكنْ لا بأسَ بِضعةُ أيّامٍ وسوفَ تموتُ وأنـتهي منها.
ومرّتْ ثلاثُ أيامٍ رتيباتٍ كأنّهم لم يمرّوا أمضتْهُم الفتاةُ تعبثُ بجسدِها والشابُّ يجولُ في صمْتِهِ، وانقَضَتْ أيضاً أيّامٌ كثيرةٌ أخرى دونَ أن يلحظَ أحداً من المشفى اختفاءَ الشابِّ المُصابِ بانفصامِ الشخصيّةِ ولا الجميلةُ التي حاولتِ الانتحارَ...لا. بل لم يكترثْ أحدٌ لغيابِهِما، لكنْ زعَمَ أحدٌ من خارجِ المشفى أنّهُ رآهما في نهايةِ الزّمانِ والمكانِ يتبادلانِ الحُبَّ والقُبَلَ والموتَ على أوتارِ الحياةِ.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق