هشام آدم يكتب: الفسلفة في خدمة الله



في عصور ما قبل المنهج العلمي التجريبي، كانت الفلسفة هي المصدر "العلمي" الوحيد للمعرفة، ولهذا كان الفلاسفة يُشكلون النُّخبة المُفكّرة، ولهذا شغلوا وظائف مُهمَّةٍ أُخرى، فكان الفيلسوف طبيبًا، وفلكيًا، وعالم رياضيات، وفيزيائيًا، ومُهندسًا، وميكانيكيًا؛ وباختصار، كان الفلاسفة هم علماء ذلك العصر. ولأنَّ هدف الفلسفة الأساسي هو تفسير هذا العالم، وكشف أسراره، وإيجاد تفسيراتٍ لظواهره، فكان الناتج إرثًا كبيرًا من المقولات الفلسفيَّة الخاطئة (بل والسخيفة أحيانًا)، والتي شكَّلت علوم ذلك الزمان، ومنها نظريات الفلاسفة الخاطئة حول علم الأحياء، ومنها مقولات أرسطو مثلًا، والتي يتناول فيها تكوين الأجنة، والتي لا علاقة لها بالعلم، وكذلك نظريات الفلاسفة الخاطئة حول علم الكونيات "الفلك"، وكيف أنَّ الفلاسفة (قبل كوبرنيكوس) كانوا يعتقدون بأنَّ الأرض هي مركز الكون، وأنَّها مُسطحةٌ، وأنَّ الشمس (بل كل الكواكب) تدور حوله، وكذلك نظريات الفلاسفة الخاطئة حول علم الحركة والجاذبيَّة، بناءً على فكرة مركزيَّة الأرض؛ بل إنَّ بعض الفلاسفة نفى الحركة وأبطلها، كما فعل الفيلسوف زينون الإيلي في مُفارقته التي سُميت باسمه (Zeno's paradox)، والأمثلة كثيرةٌ جدًا على تهافت الفلاسفة في مُحاولاتهم لشرح وتفسير الظواهر الطبيعيَّة. وكان السبب الرئيسي وراء هذه الإخفاقات الكبيرة في تفسير الظواهر الطبيعيَّة هو تأثر العقل الفلسفي بالمبادئ المثاليَّة الذاتيَّة، والذي ينطلق في حكمه على الظواهر الخارجيَّة في الطبيعة من تصوراته الذاتيَّة لها. وبطبيعة الحال كان تيارٌ من الفلاسفة يرفضون هذه الفكرة، على اعتبار أنَّ العالم الطبيعي له وجودٌ مُستقلٌ عن تصوراتنا الذهنيَّة، وأنَّه يتوجب علينا -عند دراسة هذه الظواهر- عدم إسقاط تصوراتنا الخاصة عليها؛ بل دراستها بشكلٍ موضوعي مُستقلٍ تمامًا، ولكن -وبسبب غياب المنهج العلمي، والأدلة العلميَّة- لم تكن مقولات هؤلاء الفلاسفة تجد قبولًا كبيرًا لدى العامة أو حتَّى الخاصة، هذا بالإضافة إلى أنَّ غياب المنهج العلمي عمل بشكلٍ كبيرٍ جدًا على تضعيف هذا التيار الفلسفي، فكان المنهج المثالي هو السابق دائمًا على المنهج المادي.
في عصرنا الحالي؛ يلجأ بعض المثاليين إلى الفلسفة للبرهنة على وجود "الله"، وهو ما حاول الفلاسفة القدماء (أمثال أرسطو وأفلاطون وغيرهما) فعله؛ فيقولون إنَّه بالإمكان البرهنة على وجود "الله" فلسفيًا، بالاعتماد على بعض القواعد "المنطقيَّة" والقواعد "العقليَّة"، فيُقسّمون الموجودات إلى ثلاثة أنواع: 
1) واجب الوجود. 
2) ممكن الوجود. 
3) مُستحيل الوجود
بحيث يكون واجب الوجود هو المُحرّك الأوَّل، الذي يُعتبر الوجود صفةً ذاتيَّةً له، وكذلك من حيث أنَّ وجوده واجبٌ لوجود الموجودات المُمكنة. ولكن ما الذي جعل وجوده واجبًا؟ وما الذي جعل الوجود صفةً ذاتيَّةً له؟ هل هنالك سببٌ "منطقي" أو "عقلي" لذلك أم هو حكمٌ افتراضيٌ غير مُلزم؟

الحقيقة أنَّ فكرة ذاتيَّة الوجود هذه كانت ضرورةً -بالنسبة إليهم- لتفادي التسلسل اللانهائي للمُتحرّكات، لأنَّ هذا التسلسل اللانهائي -بالنسبة إليهم- غير مقبولٍ "عقلًا". ولكن لماذا هو غير مقبولٍ عقلًا؟ وأي عقلٍ نقصد هنا بالتَّحديد؟ هل هو العقل المُجرَّد أو هو العقل المُتحيّز معرفيًا؟ المُعضلة الأساسيَّة في تقسيم الموجودات إلى واجبٍ، ومُمكنٍ، ومُستحيل، أنَّها مبنيَّة على تصوراتٍ ذهنيَّةٍ ذاتيَّةٍ لا أكثر، ولا علاقة لها بالموجودات كما هي؛ من حيث أنَّ لها وجودًا مُستقلًا عن أذهاننا نحن. وعندها سيكون الحكم على الموجود بأنَّه "واجبٌ" أو "مُمكن" حكمًا ذاتيًا، لا علاقة للموجود به، لأنَّه لا يُمكننا إيجاد العلاقة بين الموجود وبين الحُكم على وجوده بالوجوب أو بالإمكانيَّة. ولهذا فإنَّ وصف واجب الوجود بأنَّ الوجود هو صفةٌ ذاتيَّةٌ له، هو وصفٌ ذاتيٌ، لا يُمكننا إيجاد العلاقة بين الوصف وبينه، وذلك لسببٍ بسيطٍ جدًا، وهو أنَّ واجب الوجود هذا غير مُتعيّن، أي لا ماهيَّة له، وكل اللاماهيَّات قابلةٌ لاحتمال أي وصفٍ يُمكن أن يُطلق عليها، دون أن يمتلك الآخرون أي وسيلةٍ لإنكار هذه الصفات أو حتَّى تفنيدها. فنحن بحاجةٍ إلى التعيين حتَّى يُمكننا إخضاع الصفات إلى الاختبار، لنتأكد من كونها صحيحةً ومُطابقةً لها أم لا. فعندما أقول مثلًا: "أضلاع المُربع مُتساوية." فإنَّه يُمكننا اختبار هذا الوصف، والتأكد من صحته؛ رغم أنَّ المُربع (والأشكال الهندسيَّة عمومًا) مفهومٌ تجريديٌ ذهنيٌ، وكذلك كما في قولنا: "العشرة أكبر من الواحد." فرغم أنَّ الأرقام هي عبارة عن مفاهيم تجريديَّة، لا وجود لها إلَّا في أذهاننا، ولكنَّنا يُمكننا إخضاع هذا المفهوم للاختبار، لنتأكد من صحَّة المقولة.

نُلاحظ أنَّنا في المثال الأول (مثال المربع)، اعتمدنا على مفهوم تجريدي يُمكن تجسيده، فيُمكن أن نقوم برسم المُربع على الورق، وعندها يُمكننا إنزال هذه الصورة الذهنيَّة من حيز المُجرَّدات، إلى حيز التعيين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المثال الثاني (مثال الأعداد)، فرغم كون الأعداد مفاهيم تجريديَّة؛ إلَّا أنَّه يُمكننا إنزالها من حيز التجريد الذهني إلى حيز التعيين، وذلك باستبدال الصورة الذهنيَّة للعدد عشرة بمرموز يدل عليها، كالتفاح أو الكرات أو غيرها مما يحمل مرموزها الذهني؛ فنأخذ عشر تفاحات مثلًا، ونضعها مقابل تفاحةٍ واحدةٍ، ونُجري اختبارنا على المُتعيّنات التي ترمز إلى تلك المفاهيم التَّجريديَّة. ومن هنا يتضح لنا أهميَّة التعيين في اختبار صحَّة أي وصفٍ يُطلق عليها، وهو ما لا يُمكننا إسقاطه على مفهوم "الله" التجريدي، لأنَّه غير مُتعيّن، وفي ظل غياب الماهيَّة لا يُمكننا أبدًا اختبار أي صفةٍ يُمكن أن يُطلق على أي مفهوم تجريدي ذهني. فعلى سبيل المثال لو قلتُ: "الأسد من آكلات الأعشاب." فيُمكن لكل شخصٍ يعرف الأسد أن يُفند هذه المقولة، ويُثبت عكسها؛ بناءً على التعيين القائم للأسد نفسه كموضوعٍ مُستقلٍ عن تصوراتي الذهنيَّة الذاتيَّة، والتي كانت الأساس في تكويني لتلك المقولة، رغم أنَّ وصف "آكل للأعشاب" في حد ذاته لا يحتوي على مُشكلة منطقيَّة، ولكن المُشكلة جاءت من اقتران هذه الصفة بالمُتعين "الأسد"، ولكن إن قلتُ: "الثعبوم من آكلات الأعشاب." فلن يستطيع أحدٌ أن يُجادلني في ذلك، لأنَّ المُشكلة هنا ليست في صحَّة الصفة أو عدمها؛ بل في عدم التعيين، فنحن في الحقيقة نجهل ماهيَّة الثعبوم، وبالتالي فإنَّه ليس بإمكاننا الحكم على صفات غير المُتعين، فلا نستطيع إثباتها، ولا نستطيع نفيها. ولهذا فإنَّ اللامُتعين يقبل أي صفةٍ يُمكن أن تُطلق عليه، لأنَّ اللاماهيَّات هي مُجرَّداتٌ ذهنيَّةٌ، خاضعةٌ للعامل الذاتي تمامًا.

كذلك الأمر عندما يكون نقاشنا حول المقولات أو التَّصورات الذهنيَّة الذاتيَّة، حتَّى للمُتعينات أو الماهيَّات، فعندما أقول مثلًا: "القطط حيواناتٌ رائعةٌ" فهذه المقولة تنطوي على حُكمٍ ذاتي، لا يُمكن نقده، لأنَّ لها جذورًا تتعلَّق بالخبرات الذاتيَّة للشخص، ولكنها لا تصح أن تُطلق كحُكم عام، لأنَّه قد يُوجد شخصٌ آخر لا يرى القطط حيواناتٍ رائعة؛ بل قد يخاف من القطط، كولئك المصابين برهاب القطط (Ailurophobia). فمثل هذه الأحكام والتصورات الذاتيَّة (حتَّى على المُتعيّن) لا يُمكن نقدها أو تفنيدها؛ إلَّا بتصوراتٍ ذاتيَّةٍ أيضًا، وفي هذه الحالة لا يُكون حكمنا (سلبًا أو إيجابًا، قبولًا أو رفضًا) حكمًا موضوعيًا قابلًا للتعميم، لأنَّ العلاقة بين المُتعيّن والتَّصور الذهني هي علاقة تجربة شخصيَّة، ولهذا يجب أن تكون العلاقة بين التَّصور الذهني (الوصف)، وبين المُتعين علاقةً موضوعيَّة يُمكن الفصل فيها، تمامًا كما في مثال "الأسد" السابق ذكره. وهذه هي مُعضلة الفلسفة المثاليَّة: أنَّها تنطلق من الذات للحكم على الموضوع، رغم أنَّ الموضوع له وجودٌ مُستقلٌ تمامًا عن تصوراتنا الذاتيَّة، فالواجب أن يكون العكس، بأن يكون الواقع هو المادة الأساسيَّة لتكوين التَّصورات الذهنيَّة، وهو الذي عليه المذهب المادي الفلسفي. فإذا قال شخصٌ: "الوجود صفةٌ ذاتيَّة لله." فهل يُمكن الفصل في هذه المسألة في ظل غياب التَّعيين؟ وهل يُمكننا إيجاد العلاقة بين المُتعين الذهني وبين الوصف الذهني؟ لأنَّه إن كان "الله" موجودًا فعلًا، فسوف يكون مُستقلًا عن التَّصورات الذهنيَّة لهذا الشخص، وليس محكومًا بها، لأنَّ عدم التعيين أو غياب الماهيَّة تُفضي إلى ذلك، على العكس من حكمنا على الأسد بأنَّه من آكلات اللحوم، فالوصف هنا مُلزمٌ للمُتعين، لأنَّ الوصف نفسه بُني على المُتعين من حيث هو كائنٌ بشكلٍ مُستقل عن تصوراتنا، فتصوراتنا -في هذه الحالة- نشأت نتيجةً للمُتعين، ولكن في حالة "الله" فإنَّ العكس هو الصحيح؛ فالتَّصورات الذهنيَّة هي التي أنشأته، ولهذا قال القائلون إنَّ "الله" من صُنع الإنسان.

ويهمنا أيضًا تعريض مفهوم "العقل" -الذي يحتكم إليه هؤلاء- إلى النقد والتمحيص، لنفهم أي عقلٍ هذا الذي يحتجون به عند رفضهم لفكرة التسلسل اللانهائي مثلًا، قائلين بأنَّه مُحالٌ عقلًا، فلماذا هو مُحالٌ عقلًا؟ هل يوجد دليلٌ يستندون إليه في تبني هذا الموقف؟ الحقيقة أنَّ الدليل الوحيد الذي يستندون عليه هو تعارض فكرة التسلسل اللانهائي مع فكرة العلَّة الأولى، التي هي أصلًا من اختراعهم. على أنَّه لا يُمكن دائمًا الاحتكام إلى فكرة "المعقولات" للحكم على الواقع، لأنَّ الواقع نفسه لا يقوم على المعقولات؛ بل على الكينونة (أي ما هو كائنٌ فعلًا)، ففكرة تواجد شيءٍ ما، في مكانين مُختلفين في الوقت نفسه (كما هو الحال في الجُسيمات دون الذريَّة) هو من اللامعقولات العقليَّة، فهل نرفض الميكانيكا الكموميَّة (Quantum Physics) بناءً على عدم قدرتنا على تصديق ذلك؟ إنَّ العلوم الحديثة والتي تتعامل -في تفسيرها للعالم- مع الواقع، كمادةٍ مُستقلةٍ عن وعينا، هو ما يجعل نتائجها مُستقلةً عن وعينا أيضًا، فسواء اقتنعنا بها أو لم نقتنع بها فهي حقيقيَّة، وسواء أعجبنا ذلك أو لم يُعجبنا فهي حقيقيَّة، والواجب عندها -لكي نكون "عقلانيين"- أن نُكيّف وعينا العقلي بناءً على العلوم، وليس العكس، لأنَّ المُشكلة الحقيقيَّة والكبرى في نقاشات المُلحدين مع الربوبيين على اختلاف أنواعهم ليست مُشكلةً في طبيعة الأفكار وحسب؛ بل في طريقة التفكير في المقام الأول، فالطريقة المثاليَّة "الذاتيَّة" في تفكير الربوبيين، هي ما تجعل النقاش -في غالبه- بلا طائل يُذكر، ليس لأنَّ الأفكار المطروحة من كلا الجانبين غير مُقنعة؛ بل لأنَّ طريقة التفكير مُختلفةٌ تمامًا، فكل فكرةٍ يتم طرحها تخضع لعمليات ذهنيَّة محكومة بطريقة التفكير الخاصة بكل شخص، فإن كان مثاليًا فإنَّه سوف يُخضع الأفكار لمنظومة التَّصورات الذهنيَّة، التي تُشكل قاعدة البيانات الأساسيَّة بالنسبة إليه، وإن كان ماديًا فإنَّه سوف يجد صعوبةً في دهن الواقع بتصوراته الذهنيَّة كما يفعل المثالي.

هذا إضافةً إلى أنَّ الربوبيين يعتمدون في مُحاولات إثبات "الله" على حججٍ هي -في أساسها- حججٌ لإثبات "وجود" الله، وذلك انطلاقًا من الفكرة المغلوطة عن طبيعة الإلحاد. فالفكرة المُنتشرة لدى الربوبيين عن المُلحدين أنَّهم يُنكرون وجود الله، ويُنكرون وجود خالق لهذا الكون، ويفترضون أنَّ الصدفة هي التي أنشأت الكون، وبناءً على هذا الافتراض، فإنَّ كل المحاولات تصب في دحض هذه الفكرة، في حين أنَّ الحقيقة مُغايرةٌ تمامًا، فالإلحاد (كمنهج مادي)، يُقر تمامًا بوجود "خالق" للكون، لأنَّ الكون بالنسبة إلى الملحد (بحسب العلم وليس بحسب تصوراته الذهنيَّة) هو نتيجةٌ عرضيَّةٌ، وبالتالي فإنَّه لابد من وجود سببٍ له، وهنا يكون الفارق بين المُلحد والربوبي، فالمُلحد يرفض استخدام مُصطلح "خالق" ويستخدم بدلًا عنه مُصطلح "سبب"، والمسألة هنا ليست مُجرَّد عناد أو رغبة في الاختلاف أو حتى تباين لغوي لفظي وحسب، ولكن عدم التعيين هو ما يجعلنا نختار مُصطلحًا مُحايدًا لا يشي بمعرفتنا بالماهيَّة، في حين أنَّ هذا غير مُتحقق، فمُصطلح "خالق" يُوحي بالعقل والإرادة والقصد، في حين أنَّنا لا نعرف "يقينًا" ما إذا كان الكون قد نتج عن قصدٍ أو كنتيجة "طبيعيَّة" لسلسلةٍ من الأسباب، ولهذا فنحن نُطلق عليه لفظ "سبب"، على أنَّ السبب هو مُصطلح "مُحايدٌ" تمامًا، ولهذا فهو موقفٌ موضوعيٌ من القضيَّة، فأبي وأمي -مثلًا- هما "السبب" في وجودي في هذا العالم، وأبي وأمي "عاقلان"، فلفظة "سبب" هنا لم تنفي صفة العقل، وفي الوقت ذاته فإنَّ نفس اللفظة لا تدل على "الإرادة"، لأنَّ الواقع أنَّ والداي لم "يُريدا" وجودي تعيينًا، لأنَّ الإنجاب -في حقيقته- هو "نتيجة" للممارسة الجنسيَّة، ولكنه لا يُحقق الإرادة، فالدافع الذي كان وراء ممارستهما للجنس هو "الرغبة الجنسيَّة"، وليس "الإنجاب"، وحتَّى لو قلنا إنَّ الإرادة كانت عنصرًا حاضرًا، فإنَّهما -بالضرورة- لم يُريدا إنجابي على التعيين بكل ما أتصف به من صفاتٍ، وبكل ما أتمتع به من سماتٍ خاصةٍ وعامة، وخلاصة القول: فإنَّ المُلحدين يتبنون لفظ "سبب"، لأنَّه وصفٌ موضوعيٌ وعلمي، وليس عنادًا في الربوبيين، أو استكبارًا على استخدام لفظة "خالق" كما يقول البعض.

لقد عرفنا سابقًا أنَّنا يجب أن نُكيّف عقولنا مع الواقع، لا أن نُكيّف الواقع لعقولنا وتصوراتنا الذهنيَّة، وضربنا مثالًا بالجُسيمات دون الذريَّة، التي يُمكنها التَّواجد في مكانين في نفس الوقت، ضاربةً بذلك عرض الحائط كل القواعد والقوانين العقليَّة، فإذا رفضت عقولنا تصديق ذلك، فإنَّه بالإمكان إثباته تجريبيًا، ولهذا قلنا إنَّ العلم قائمٌ وصحيحٌ بصرف النَّظر عن مواقفنا وتصوراتنا الذهنيَّة، ولهذا فإنَّ العلم موضوعيٌ تمامًا، ولهذا أيضًا فإنَّه يكون الفصل والحكم في القضايا الخلافيَّة، فإذا رفضت عقولنا مبدأ اللانهاية مثلًا، فبإمكان العلم إثباته، فالأعداد الموجبة لا نهائيَّة، والأعداد السالبة لانهائيَّة أيضًا، وكذلك فإنَّ أعداد أي شكل هندسي لانهائيَّة أيضًا، وإذا قمنا بطرح اللانهائي (Infinity) من اللانهائي؛ فإنَّنا نحصل على العدد باي (π) اللانهائي أيضًا، رغم أنَّ المنطق "العقلي" يقول إنَّ النتيجة يجب أن تكون (صفر)، ولكن سواء صدَّقنا ذلك أم لم نُصدق، وسواء اقتنعنا بذلك أم لم نقتنع فإنَّ اللانهاية هو حاصل طرح اللانهاية من اللانهاية، ويُمكن إثبات ذلك والبرهنة عليه رياضيًا.

الآن؛ عندما يقول لنا الربوبيون إنَّ تسلسل الموجودات إلى مالانهاية هو مُستحيلٌ عقلًا، فهل ذلك صحيح؟ الحقيقة أنَّ هذه الاستحالة مُشابهةٌ تمامًا لاستحالة تصديق وجود جُسيمين في في مكانين في وقتٍ واحد، واستحالة التصديق بأنَّ اللانهاية هو حاصل طرح اللانهاية من اللانهاية، أي أنَّها من اللامعقولات بحُكم أنَّها غير قابلة للتصور الذهني، ولكن هذا لا يعني أنَّها غير قابلة للإثبات سواءٌ التَّجريبي (كما في مثال الجُسيمات دون الذريَّة)، أو البرهان الرياضي (كما في مثال اللانهاية). ولكن هل عندما يزعم المُلحدون بعدم استحالة التسلسل اللانهائي يفعلون ذلك بدافع ذاتي، كما يفعل المثاليون أو الربوبيون؟ إطلاقًا؛ فزعمهم هذا قائمٌ على قانونٍ علمي (والعلم موضوعي كما عرفنا)؛ إذ ينص القانون الأول من الديناميكا الحراريَّة على أنَّ المادة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، وهذا يعني أنَّ المادة "أزليَّة"، ولا يُوجد ما يمنع الأزلي من التسلسل اللانهائي أبدًا، حتى وإن وجدنا صعوبةً في تصديق ذلك، فالواقع ليس محكومًا بتصوراتنا الذهنيَّة، وإنَّما بقوانين موضوعيَّة مُستقلة عن أذهاننا تمامًا. فأزليَّة المادة ليست فرضًا ذاتيًا؛ بل قانونًا علميًا موضوعيًا، وهذا ما يجعل التسلسل اللانهائي للموجودات أمرًا مقبولًا ومنطقيًا، وبالتالي نفي اللامنطقيَّة التي يقول بها الربوبيون، وعندها سيتضح لنا أنَّ هذه اللامنطقيَّة إمَّا أنَّها ناشئةٌ من عدم قدرة العقل على تصوُّر اللانهائي، وإمَّا أن تكون ناشئةً من وضع الربوبيين لفرضيَّة "العلَّة الأولى" أو "المُحرك الأول"، ورغم اعتراض الربوبيين على مفهوم اللانهاية، ولامنطقيتها؛ إلَّا أنَّهم -فجأةً- يتصالحون مع هذا المفهوم، ولا يجدون أي غضاضة فيه، عندما يتعلَّق بالمُحرَّك الأول، فهم يُؤمنون بأزليَّة "الله"!

لقد قلنا سابقًا إنَّ الربوبيين يعتمدون في مُحاولات إثبات "الله" على حججٍ هي -في أساسها- حججٌ لإثبات "وجود" الله، فما الذي نعنيه بذلك؟ هذا يعني الخلط الواضح -في أذهانهم- بين مفهوم "الوجود" ومفهوم "الماهيَّة"، ففي الوقت الذي يتفق فيه المُلحدون والربوبيون على مفهوم "الوجود" (برغم اختلافهم في التسميات)؛ إلَّا أنَّهما يختلافان جذريًا على مفهوم "الماهيَّة"، والتي هي السبب الرئيسي في الاختلاف حول مُسمَّى "سبب"، ومُسمَّى "خالق"، حيث أنَّ مُسمّى "خالق" يُوحي بالعقل والإرادة، وهي صفاتٌ تحتاج إلى تحديد الماهيَّة؛ حتى يُمكن اختبارها، كما سبق وأشرنا، وفي الوقت الذي يُطالبُ فيه المُلحدون بأدلة "الماهيَّة"، فإنَّ الربوبيين لا يُقدّمون شيئًا سوى أدلة "الوجود" المُتفق عليها أصلًا. ولنفترض وجود شخصين رأيا مبنىً أمامهما، فتساءل الأول: "من الذي بنى هذا المبنى؟" فيُجيبه الآخر: "إنَّه المهندس شريف." عندها يتساءل الأول: "ما هو دليلك على أنَّ المهندس شريف هو من بنى هذا المبنى؟" فتكون إجابة الآخر أنَّه لا يجوز التصديق "عقلًا" وجود مبنى دون باني أو دون مهندس، في حين أنَّ سؤال صديقه لا يدور حول هذه النقطة، فهذه الحجة وإن كانت تُشير إلى "السبب" وراء وجود المبنى، لكنها -في الوقت ذاته- لا تدل على "ماهيَّة" السبب، وهو ما يُطالب به المحلدون؛ فهم يُريدون دليلًا على صحَّة الماهيَّة التي يفترضها الربوبيون، لأنَّهم سلفًا مُقتنعون بضرورة وجود "سبب" للكون، وهذه القناعة بضرورة وجود سبب للكون لم تنشأ اعتباطًا؛ بل هي مبنيَّة على مبدأ علمي ينص على أنَّ كل نتيجةٍ لها مُسببٌ، ولكن لتحديد ماهيَّة المُسبب فإنَّه يتوجب علينا معرفة العلاقة التي تربط المُسبب بالنتيجة، وهو ما لا يُمكن معرفته إلَّا عن طريق التجريب، وليس بمُجرد الحدس أو البداهة، لأنَّ الحدس والبداهة تقودنا إلى معرفة أنَّ كل نتيجةٍ لابد أن يكون ورائها مُسبب، ولكن هذه البداهة نفسها لا تقودنا إلى معرفة ماهيَّة السبب، ولا إلى معرفة العلاقة التي تربطه بالنتيجة.

وفي هذا الصدد يحضرني المثال الذي يستخدمه الربوبيون لإثبات الله، وهو مثالٌ شائع يقوم على مقولة أعرابيَّة: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير." ولن أتكلَّم هنا عن بعرة البعير؛ وإنَّما عن أثر مسيرها (foot-print-s)، فما هو مصدر معرفة الأعرابي بنسبة الأثر إلى البعير تحديدًا، وليس إلى أي حيوان أو كائنٍ آخر؟ هل هو حدسٌ أم هو تجريب؟ إنَّ الحدس جعله يعلم أنَّ مُجرد وجود آثار على الأرض يُشير إلى وجود كائنٍ ما مرَّ بهذا المكان، ولكن كيف له أن يُحدد نوع (ماهيًّة) هذا الكائن؟ هل بالحدس أيضًا؟ الحقيقة أنَّه اعتمد على التجربة، فبالتأكيد أنَّه رأى البعير من قبل، ورأه وهو يسير، ورأى الأثر الذي يتركه خف البعير على الأرض، ولولا هذه المعرفة الحسيَّة القائمة على التجريب، لما استطاع الأعرابي أن يُحدد ارتباط هذه الآثار بالبعير. إنَّ الخلاف بين المُلحدين والربوبيين يُشبه هذا المثال إلى حدٍ بعيد، ففي حين يُطالب المُلحدون بدليلٍ يربط لهم بين "الأثر" وبين "ماهيَّة البعير" فإنَّ الربوبيين لا يُقدمون من الأدلة إلَّا ما يدل على ضرورة وجود "كائن" ترك هذا الأثر، اعتمادًا على أنَّه لا يُمكن للآثار أن تُنتج صدفة. وهذه النقطة تحديدًا يتفق فيها المُلحد مع المُؤمن، وهو -في الحقيقة- لا يُطالب بهذا الإثبات، فهو مُسبقًا يعلم أنَّ أي نتيجة لابُد لها من مُسبب، ولكنه -هنا- يُطالب بدليلٍ على إثبات الماهيَّة، والعلاقة بينها وبين النتيجة. فمثلًا، لو رأى الأعرابي آثار أقدام تمساح (وهو لا يعرف التمساح أصلًا)، فإنَّه سوف يقول: "هذه الآثار تدل على مسير كائنٍ ما." وهو نفس موقف المُلحد الذي لا يتطوّع بإثبات الماهيَّة دون دليل. فإذا قال له قائلٌ إنَّ هذه الآثار تعود إلى التمساح (وهو لا يعرف التمساح)، فسوف تكون هذه المعرفة معرفةً ناقصةً بالنسبة إليه، لأنَّ ماهيَّة التمساح بالنسبة إليه غير مُتحققة أو غير مُتعينة، فهو لا يعرف التمساح حتى يُصادق على هذا القول أو حتى يرفضه، والموقف العقلاني منه عندها أنَّه سوف يُطالب بدليلٍ (ليس ليثبت أنَّ لهذا الأثر مُسبب)، ولكن ليُثبت العلاقة بين التمساح وبين الأثر. عندها إذا ظلَّ الآخر يصف له التمساح فإنَّ هذا الوصف لن يُساعده على إيجاد العلاقة بين هذا الكائن وبين الأثر؛ هذا بالإضافة إلى أنَّه لن يتمكن من رفض أو نفي أي صفة يقوم بإلصاقها للتمساح، لأنَّه لا يعرف التمساح أصلًا، فالتمساح بالنسبة إليه غير مُتعين أصلًا، فأي وصفٍ مُتعلّق بالماهيَّة دون تحقق أو تعيين الماهيَّة لن يُساعد أبدًا في إنشاء العلاقة المطلوبة بين الماهيَّة وبين الأثر، وهذا ما يفعله الربوبيون؛ إذ لا يفعلون شيئًا سوى إغداق الصفات على "الله" غير المُتعيين، مُعتقدين أنَّهم بذلك يُقدمون لنا "ماهيَّة"، فوصف الله بأنَّه الخالق أو الرازق أو العليم أو الحكيم أو أي صفةٍ أًخرى لا يُفيد أبدًا في قضيَّة الإثبات، وطبعًا لن يكون بإمكاننا نفي أي صفةٍ ليس لله فقط ولكن لأي كائنٍ غير مُتعين. تمامًا كما أنَّ الأعرابي لن يستطيع نفي أي صفةٍ للتمساح؛ حتى ولو كانت صفة صحيحة. تُصبح المُعضلة أكثر سخرية عندما يكون دليلنا على وجود التمساح هو أثر التمساح في حين أنَّ التمساح (بالنسبة للأعرابي غير مُتعين)، فوجود الأثر بالنسبة إليه لا يعني أي شيء له علاقة بالتمساح لأنَّه لا يعرف التمساح أصلًا، ولهذا فإنَّ مقولة بعض الربوبيين: "الإنسان دليلٌ على وجود الله" أو "كل ما في الكون هو دليل على وجود الله." يدل بشكلٍ واضحٍ على أنَّ الربوبيين يُغردون خارج السرب، تمامًا كما نفعل نحن مع الأعرابي عندما نستدل له على وجود التمساح بأثر التمساح الذي لا يعرفه!

الحالة الوحيدة التي يُمكننا فيها نفي صفة اللامُتعين هو أن تتعارض هذه الصفات مع قواعد المنطق العقلي، مثل قانون عدم التعارض، فإذا وصفنا اللامُتعين بصفتين مُتعارضتين ومُتناقضتين، عندها جاز لنا نفيه، فإذا قلنا إنَّه طويلٌ وقصير في الوقت نفسه وقع التعارض؛ وبالتالي حُق لنا أن ننفي وجود كائنٍ طويلٌ وقصير في الوقت نفسه. وهو الخطأ الذي يقع فيه بعض الربوبيين الذين يصفون "الله" بأوصافٍ مُتعارضة، كأنَّه الأول والآخر في الوقت نفسه، أو أنَّه رحيمٌ وشديد العقاب في الوقت نفسه، أو أنَّه الظاهر والباطن في الوقت نفسه وما إلى ذلك من صفاتٍ مُتعارضةٍ، وبالطبع فإنَّ العقل الربوبي المثالي لا يرى في ذلك أي تعارض. لماذا؟ ببساطة؛ لأنَّ الواقع بالنسبة إليه هو انعكاسٌ لتصوراته الذهنيَّة، ولهذا قلنا إنَّ المُشكلة الأساسية مع الربوبيين تكمن في "طريقة التفكير"، فالمنهج المثالي يُضفي على الواقع تصوراته الذهنيَّة الذاتيَّة، فلا يعود قادرًا على رؤية العالم إلَّا من خلال منظوره الذاتي ذلك، ولهذا فإنَّهم عندما يقولون بالاستحالة العقليَّة لأي مسألة، فإنَّهم يقصدون العقل الإيماني المثالي، وليس العقل المُجرّد. وإذا لم نستطيع أن نُوفر للأعرابي أي دليلٍ يُساعده في معرفة العلاقة التي تربط بين التمساح وبين آثار الأقدام، فإنَّنا لا يُمكن وصف موقفه الرافض من التصديق إلَّا بأنَّه موقفٌ عقلاني؛ إذ ليس من العقلانيَّة في شيء أن أصدق وجود علاقة بين آثار المسير، وبين كائنٍ لا أعرفه، دون دليل يُساعدني على ذلك.

إنَّ فكرة الله لا يدعمها العلم كما لا تدعمها الفلسفة؛ إلَّا أنَّ الاعتماد على الفلسفة في هذا العصر وفي موضوع كهذا بالتحديد، هو مُحاولة لإضاعة الوقت ليس إلَّا، وعندها سوف يجد الربوبي نفسه مُضطرًا إلى رفض العلم لتحقيق فكرته فقط. الفلسفة لا يُمكنها البقاء حيث العلم، فإذا أصدر العلم حُكمًا على أمرٍ ما، فيُمكننا فقط مُناقشة نتيجة هذا الحكم فلسفيًا، ولكن لا يُمكننا نفي ما أثبته العلم أو إثبات ما نفاه العلم فلسفيًا، هذه ليست أكثر من مُجرد "سفسطة" كلاميَّة لا تُقدّم ولا تُؤخر. ولأنَّ الكثيرين غير قادرين على التسلل إلى فكرة "الله" عبر العلم، فإنَّهم يتخذون أحد موقفين، الموقف الأول هو الادعاء باحترام العلم، والاعتماد على فكرة أنَّ العلم لا يُناقش فكرة الله والغيبيات عمومًا، ويتخذون من ذلك ذريعة لإقحام الفلسفة في الموضوع باعتبار أنَّ فكرة الله هي قضيَّة فلسفيَّة، ولا يجب أن تُناقش بعيدًا عن الفلسفة. والموقف الثاني هو امتهان وإزدراء العلم إمَّا بالتدليس أو بالتكذيب بغرض إثبات فكرة "الله"، فهم إمَّا يلجأون إلى تدليس العلوم في مُحاولة لإثبات فكرة "الله" أو يرفضون العلم باعتباره مُنتجًا بشريًا ناقصًا وغير مُكتمل، مُعتمدين على أهم خاصية في العلم وهي خاصية الشك واللايقين، فيدعون أنَّه لا يُمكننا الاعتماد على العلم لأنَّه غير يقيني، وغير ثابت، وهم في الحقيقة لا يعرفون ما يقولون؛ إذ يعتمدون في رفضهم للعلم على فكرة لا وجود لها أصلًا، وهي: "اليقين المُطلق" و "الثابت المُطلق"، والتي هي من رواسب الأديان في الأساس.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق