إكرام مغيس تكتب: مُعاق ومُعاقة ومُعاقون



صباح الأمس، وكعادتي، فتحت حسابي الفيسبوكي لإلقاء تلك النظرة الصباحية المستعجلة. من عادتي أن لا أبدأ بصندوق الرسائل وتركه آخر شيء، وأحيانا أخرى حين أكون في قمة انشغالاتي لا أعيره اهتماما ولا أرد إلا على المهم منها والمفيد. البارحة قررت تغيير نمطيتي، فقمت بالاطلاع عليه أولا، لأجد رسالة من أحد الأصدقاء فيها شيء عن العزوبية والإعاقة. بادئ الامر لم أفهم شيئا لأن العبارة مضحكة وظننتها طرفة أو شيئا من هذا القبيل. لكن وبجولة خفيفة في الساحة الفيسبوكية وإطلالة على مشورات الأصدقاء فهمت أن “منظمة الصحة العالمية” أطلقت مصطلح “معاق” على كل عازب، وهو الأمر الذي أثار جدلا في وسائل التواصل الاجتماعية ما بين مؤيد ومعارض وساخط وساخر وغاضب…

الأمر فعلا مثير بداية، خصوصا في مجتمعاتنا العربية التي تعاني من كم لا يعد ولا يحصى من التناقضات والتأويلات الخاطئة والحكم على بعض الأمور حتى قبل الاطلاع على الحقيقة. تجولت داخل ذلك الأزرق ما يقارب الساعة وكانت مدة كفيلة لأرصد مختلف الانطباعات، والآراء، والانفعالات، والتحليلات، وحتى الشتائم. أول صنف صادفته كان الصنف الساخر من التسمية والذي لم يتوانى لحظة عن الابداع في منشوراته الفكاهية حول الموضوع. أما الصنف الثاني والذي يتضح جليا أنه قرأ التقرير، فيتحسر على ما ستؤول إليه الأجيال القادمة بسبب هكذا أمر. أما الصنف الثالث فكان صنف الذكور الذي ظل طيلة اليوم يغرد حول الزواج؛ ويسروا الزواج، و زوجونا… ناهيك عن الصنف الذي يحلل، ويحرم، وهذا يجوز شرعا وهذا لا يجوز.

أما آخر صنف التقيت به، والذي أثارني كثيرا، هو صنف تلك الفتيات الجميلات والأنيقات اللواتي يحسبن أنفسهن من صنف “الفيمينست”، وهن أصلا لا يعرفن حقيقة المصطلح ولا تاريخه بل جذبتهن تلك الشعارات الرنانة والفزاعات ذات الكلام المنمق ليصبحن هن أيضا “فيمينست” مثلهن. هذا النوع من الفتيات تظن أنها بقراءة كتب “نوال السعداوي” و “فاطمة المرنيسي”، مع احترامي الكبير لهتين السيديتين اللتين بكتاباتهما وضحتا لنا أشياء وأشياء وعرفتانا على وجه آخر للمجتمع في إحدى أهم الحقب الماضية، أصبحت متمردة على المجتمع وتدافع عن حقوق المراة وكل من يخاطبها تجد لسان حالها يقول “أنا حرة”؛ فعلا يا صديقتي أنت حرة، ألم تسمعي قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار”. نوع الفتيات هذا، قام بملئ الفيسبوك بعبارات من قبيل “أن أسمى معاقة خير لي من أن أرضى بمن كان لأرضي مجتمعا مريضا”. بصراحة حاولت الربط بين العبارة وبين ما جاء في تقرير منظمة الصحة العالمية والذي له علاقة بالجانب الصحي، لكن للأسف لم أجد أي نوع من العلاقة يربط بينهما. لأخرج في النهاية بخلاصة مفادها أن هذا النوع لم يطلع على التقرير قط واكتفى بما يروج له في الفيسبوك ليبني آراؤه حول الموضوع بعيدا كل البعد عن الواقعية والموضوعية، وبأنه نوع فارغ تماما مهما كان مستوى ثقافته وعلمه و وعيه ونضجه، ومهما ادعى ذلك يبقى، على الأقل في نظري، كتلك السنابل الفارغة الشامخة.

ما فهمته من قراءاتي حول الموضوع أن “منظمة الصحة العالمية” أطلقت مصطلح “معاق”، وهو مصطلح مؤقت إلى حين أن تجد المنظمة مصطلحا بديلا ومناسبا أكثر، على كل فرد عازب وعلى بعض المثليين؛ لأنهم وبكل بساطة لا يستطيعون إنجاب أطفال في ظل غياب شريك جنسي مختلف وحتى يتسنى لهم أيضا الإستفادة من بعض الخدمات الصحية، وهو أمر جد معقول. وإذا ما تعمقنا في مصطلح “معاق” فسنجده مشتقا من الفعل “يعيق” أي بمعنى شيء يقف كحاجز للوصول إلى شيء ما؛ وبالتالي فمن الطبيعي جدا أن تطلق “منظمة الصحة العالمية” مصطلح “معاق” على العزاب والمثليين الجنسيين لكونهم لا يستطيعون الإنجاب. شخصيا، ليس عندي أدنى مشكل مع المصطلح وحتى إن نعتوني “معاقة” فذلك أمر عادي وأتقبله على الرحب والسعة. لكن الذي وجب التفكير فيه مليا هو كيف سينشأ أطفال أتوا للدنيا بتلك الطريقة؟ كيف سيكبرون في وسط غير متكامل الوظائف من جميع النواحي؟ كيف ستكون أفكارهم ونفسياتهم؟ وكيف سيكون تكوين وتركيب شخصياتهم؟ وكيف سيتعايشون مع المجتمع الخارجي الطبيعي؟ وكيف… والأخطر من هذا كله هو كيف سيكون الأمر إذا ما تم تطبيق الأمر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أيضا؟

بالتالي يا عزيزتي، يا من تغردين بمصطلحات وأساليب متهالكة أكل عليها الدهر وشرب، ويا من تدعين أنك “فيمينست” وأن “منظمة الصحة العالمية” ظلمتك بنعتك “معاقة” لأنك فقط رفضت الزواج. اذهبي واقرئي وابحثي جيدا في الموضوع قبل أن تنفعلي ويشتاط غضبك وتخلطي الحابل بالنابل بدون أي معرفة مسبقة بصلب الموضوع. وفيما يخص قرار الزواج، فالأمر متعلق بك وحدك والقرار قرارك في أن ترتبطي أو لا ترتبطي، ولا يحق لأحد أن يملي عليك متىى تتزوجين وبمن تتزوجين فالاختيار لك وحدك. ومتفقة جدا معك في أن الزواج توافق فكري وعقلي وشخصي وروحي قبل أن يكون توافقا عاطفيا وجسديا؛ لكن الذي لا أوافقك عليه هو أن تخلطي أمورا لا علاقة لها ببعضها بمجرد سماعك مصطلحا شاذا.

ولأنني فتاة عربية أعيش في مجتمع عربي مثلك ، والذي لازال جزء منه فعلا يحتقر المرأة ويحسبها أراجوزا في يديه يحركها كيف ما شاء، فأنا أعذر نزعتك وأفكارك لكن يجب أن تعبري عنها بعقلانية وموضوعية ولا تربطيها بكل شيء فتصبحين بذلك شاذة وفارغة. ولأنني فتاة عربية مثلك، فأنا أيضا لن أقبل الزواج من أجل الزواج فقط، ولن أقبله من أجل أن أرضي مجتمعا أو أفرادا، ولن أقبل بمن كان لأجل أن لا يقال عني عانس؛ فأنا أفضل مصطلح “عانس” على أن أعيش حياة غير مقتنعة تماما بها. وسأتزوج حين أرى نفسي على قدر من الطاقة والنضج لتلك المسؤولية، وحين أجد الشخص الذي يستحق فعلا لقب “زوجي”، وحين أرى أن ذلك الزواج سيظيف لمسة خاصة لحياتي ولن يعيق أهدافي وطموحاتي، وحين أرى أن باستطاعتي تربية جيل متميز بعيدا عن ما نراه اليوم من عاهات. هي تبقى مسألة قناعات وأفكار وأولويات يا صديقتي ولا تحتاج منا لا السب ولا الشتم ولا الانفعال ولا ربطها بما هب و دب ولا حتى ذكرها في كل المناسبات.

“معاق”، “معاقة”، “معاقون”… لا تهم التسميات ولا الشكليات ولا الرسميات؛ هي مصطلحات تقنية لا غير والنعت بها لن يزيد أو ينقص شيءا من شخصك. لأنك وبكل بساطة وقبل كل شيء “إنسان” مكرم ومعزز، مصداقا لقوله جل وعلا {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} سورة الإسراء-الآية 70.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق