مريم القسوم تكتب: ضيف مفاجئ


صباحٌ مشرق من شمسي الغاربة، وروحي تحمل بين عاتقها أمنيات خائبة، أنتشل نفسي من السرير، مشتتة ثباتي الذي طال مدة ثلاثة أيام، أزيل الستار عن النافذة، فتسرع خيوط الشمس بالدخول إلى غرفتي تعكس ضوءها على الجدران لكي تمدني ببعض النور الذي لطالما كنت قد حرمت نفسي منه، أقوم بفتح النافذة، فيعبق المكان برائحة كنت قد نسيتها، يربت الهواء على كتفي ليذكرني بقدوم العيد، وأن تلك الرائحة لم تكن سوى رائحة الكعك قادمة من المنازل المجاورة، أغلق _النافذة_وأعود إلى كوكبي، فهنا لا أشم سوى رائحة القهوة التي كانت عطري الوحيد، وكل ما أملكه سريرٌ أبله، طاولة مشؤومة، ودفتر مملوء بالمذكرات، أمر عليهما لكي أقول "صباح الخير" فيرددا كل منهما "أي خير هذا! " يرددان تلك الكلمات، وترتطم بالجدار لكي تعود إليّ على هيئة صدى، فتصنع موسيقا صباحية صاخبة و بائسة،  أقوم بإغلاق أذنيّ، "اصمتا، كفا عن الكلام "وأشيح برأسي بعيداً عنهما.
كان هناك شموع تبعث الظلال على الجدران، مررت على عجل فانكسر الظل للحظة، هرولت خارج الغرفة، وأوصدت بابها، زفرت مستندة إلى  خشبية الباب، وأسرعت لكي أبتعد، أصنع القهوة لنفسي، وأراقب كيف تختلط حبات البن مع الماء فيشكلان سائلاً بنياً، يعبق أنفي برائحته الجذابة التي تثيرني دوماً لشراهة ارتشافه، أسمع طرقاً على الباب، فتنتفض جوارحي وترتجف أطرافي، لم أعتد أن يطرق بابي أحدٌ، فمنذ سبعة شهور ربما أكثر، كف الناس عن المجيء، وبقيت وحيدة بين أربعة جدارن. أخطو بفضول لكي أرى ضيفي المفاجىء، أضع عيني اليمنى على منظار الباب وأغلق الأخرى، فلا ألمح أحداً، أعيد النظر، والنتيجة ذاتها، أقوم بفتح قفل الباب، الفتحة الأولى.. الثانية.. الثالثة، أمسك القبضة وأسرع بفتحه، فتتجلى امرأة حسناء، بشعرها الأبنوسي وبشرتها التي تميل إلى الاحمرار من شدة بياضها، أخذ النمش بعض مواقعه في وجهها، ولطخ أحمر الشفاه فمها، وكأنها أكلت فريستها للتو، ترتدي معطفاً نارياً وحقيبة سوداء، نطقت: ألا يوجد "تفضلي"! 
أعادتني كلماتها من الغرق في مظهرها، فتلعثمت قائلة: حسناً، إذن، تت.. تفضلي!
دخلت وأغلقت الباب وراءها، بدأت تتجول بالمنزل كأنها تعرفه تماماً، وأنا أراقبها بذهول، تجلس في زاوية الغرفة على الأريكة البيضاء، أسألها بتلعثمي ذاته: أترغبين بكوب قهوة! فأجابت: ومن يمانع!
أقتربتُ لأمدّها بالقهوة "من هي يا ترى! " ذاك السؤال الذي راودني منذ مجيئها. بدأت ترتشف القهوة، فلاحت إبتسامة على شفتيها، أعادت الفنجان إلى الطبق، وبدأت تعبث بخصلات شعرها، مأرجحةً ساقاً فوق الأخرى، قالت لتزيح عني الحرج: يبدو أن لديك الكثير من الأسئلة! 
تنهدت مجيبة: الأسئلة عدم المجابة تظهر على وجوهنا وتغير ملامحنا أيضاً!
قالت * أنا بهجة! بهجة العيد.
ابتسمت بغرور وقلت: هه! لم تزورينا منذ وقت طويل، أين كنتِ!
* إلى أين تريدين أن تَصلي
* أنا ! فقدت توجّهي، وجهتي، موجّهي، وإتجاهاتي إلى أين سأذهب! 

* ما الذي أودى بفتاة مثلك لم تتجاوز السبعة عشر ربيعاً إلى هذه الهاوية 

أشيح بنظري عنها.
* ‏من الأخطاء القاتلة، من علب السجائر وصورتي القديمة، من قطن الغيوم وعذوبة الأمطار، من أمام الشموع، والمقاهي المحاذية للقبور.. "من فقدان العائلة "!

* هل ماتوا!
وقعت تلك الجملة موقعاً حساساً في نفسي؛ لم أذكر أني قد حدثت أحداً عنهم!
*نعم، نسوني ورفضوا أن يأخذوني معهم!
إنني أحاول أن أجد ثغرة لغويّة للهروب من مفهوم العائلة، هذه الفكرة الّتي تأكل حياتي كلّها! 
‏العائلة؟ أن تستمرّ بقول نعم، نعم، وتموت.

* لكنه شيئاً مضى، ولن تستطيعي إعادته، الحياة هكذا، تارةً جميلة والأخرى بائسة!

*‏الحياة لا تبدو وديعة من زاوية غرفتي القلق يعصف بالنافذة باستمرار، السقف ينهار شيئاً فشيئاً، وظلي مُعلق بمسمار لا أستطيع الهرب.

*سوف أغيرك!
قالتها وأخرجت مساحيق التجميل من حقيبتها 
*ماذا تفعلين؟
*إنها مساحيق السعادة، سأضعها على وجهك، وأخرجك من عالمك البائس هذا.
*ولكنها لا تليق بي، قد اعتدت ما عليه أنا الآن!
لم تجبني وبدأت تلطخ وجهي بمساحيقها تلك، أي مشعوذة هي! أزالت ربطة شعري وجعلته ينسدل على أكتافي، سحبتني من يدي وأخذنتي إلى المرآة حيث غرفتي 
* ما هذه الغرفة وما هذا الجو الكئيب!
حينها رأيت فتاة تعاكس المرآة ،غمرني شعورٌ غريب، فيه رغبةٌ وفيه ضيق، وفيه شيءٌ من الفرح، شابة بخدودها الموردة وشعرها الأسود، عيناها كحبتي بنٍ في كوب حليب، وفوقهما حاجبان اللذان لو زحفا قليلاً لاقترنا، ثوب وردي تملؤه الفراشات، نظرات شفافة كالبلور، يبدو إنها على فطرتها نقية، من هذه!
أجابتني بهجة: هذه أنت " القديمة "، المختبئة بين طيات عزلتها وبؤسها، انظري كم هي جميلة عندما تصنع بعض السعادة لنفسها!
*لكنني أريد العودة إلى عالمي القديم 
(صرخت بغضب ): أي عالمٍ هذا، غرفتك البائسة! ووحدتك والكدمات، كفي عن ذلك صغيرتي! ما زلت في بداية عمرك! لا تهتمي بالماضي ولا تفكري في المستقبل، استمتعي بحياتك فقط!
اهدتني بعض الجمل بلغة لم أفهمها، ولكنها كانت ترددها عليّ كي تستقر في ذهني، أسرعت لتذهب، أخذت معطفها ووضعته على معصمها ثم توارت خلف الباب استوقفتها ولكنها  قالت: يوجد الكثير من أمثالك، علي الإنتهاء من هذا البؤس قبل حلول العيد. وتوارت مختفية عدت أردد تلك الكلمات، وأراقب نفسي وأدور حولها بفرح أمام المرآة؛ أعود مرددة ما سمعته من بهجة وبتلك اللغة التي لا أعرفها: ارقصي على حافةِ هذا العالم، ورمي بخطاكِ كونك المنكوب!

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق