ضيف تحت المجهر رفقة المفكر هشام آدم


حاوره: محمود العكري

يهدف هذا المشروع لدعوة مفكرين مبدعين وضعوا بصمةً خاصةً لهم داخل مجالاتهم الفكرية والثقافية عامة، وقد قبل هشام آدم أن يخضع للمناقشة والمساءلة بعيداً عن لغة الخشب. 
وهذا هو الجزأ الأول الذي أجريناه مع الأستاذ، في انتظار أجزاء أخرى في الأيام القادمة، نتمنى أن نكون قد وفقنا في مسعانا هذا ووفقنا أيضاً في أسئلتنا الموجهة إليه.

بداية، بماذا تود أن أناديك؟

نادني بهشام آدم

 ما الذي يعنيه لك الإسم؟

 هو -بالنسبة إليّ- مُجرّد رمز لا أكثر، شيءٌ كان من الممكن أن يكون أيّ شيء آخر. 


 الإسم في الثقافة العربية يحمل وزنا كبيراً ذلك إن لم نقل أنه مقدساً، ففي هذه الثقافة بالذات يقومون بذبح الخرفان يوم الميلاد لتسمية الأطفال أليس هذا نوعاً من التقديس الذي بات من اللازم تجاوزه اليوم؟

 صحيح. نحن في السودان مثلًا نُسمّي هذا اليوم بـ"السماية" أي اليوم الذي يمنحك فيه أبواك اسمك، ويقومون بتقديم الذبائح لأجل ذلك. وهي عادة قديمة، لها جذور دينيَّة أيضًا. 
الإسم هو لا شيء يُذكر، وأعتقد أنَّ لكل شخص الحق في اختيار اسمه، وتغييره متى شاء. 

 الإنتقال من حالة القداسة لحالة التحرر، ألا ترى أنّ الأمر في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً؟ خصوصاً وأننا لا نزال نعيش داخل مجتمعات تؤمن بالتابو؟

بل هو أصعب بكثير مما نتخيّل. إنَّ العادات والتقاليد هي عبارة عن خيوط متشابكة وغاية في التعقيد، ولكي نُفكك هذه الخيوط فعلينا أولًا تتبعها للامساك بطرفها، وهذا يحتاج إلى صبر ودراسة وتعمق. 
فكثير من عاداتنا وتقاليدنا وحتى طرائق تفكيرنا تتداخل بين ما هو ديني وبين ما هو وجداني ولهذا يصعب التخلص منه. 

 يقودنا هذا مباشرة للتاريخ، أي تاريخنا نحن، أين يكمن المشكل بالضبط؟ هل في هذا التاريخ بحد ذاته أم في التاريخ الذي تم إيصاله لنا بأساليب استبدادية تلزمك بالقبول دون أدنى مسائلة؟

 في السودان يُؤرق المثقفين أزمة الهويَّة، وأنا أعتقد أنَّ أزمة الهويَّة موجودة في جميع المجتمعات "العربية"، أي تلك المُجتمعات التي تقع تحت وطأة الثقافة العربية. لاشك أنه يتوجب علينا دراسة التاريخ بعين مُحايدة حتى نتمكن من معرفة موقعنا من هذا الزخم الذي تراكم عبر قرون طويلة، ولاشك أيضًا أن هذا التاريخ تم صياغته ليُناسب توجهًا أيديولوجيًا مُحددًا. من المثير للسخرية فعلًا أن دعوات مثل "القوميَّة العربيَّة" خرجت أول ما خرجت من بلدان هي في أساسها تقوم على ثقافات وعرقيات لا علاقة لها بالعروبة. 

 يجرنا هذا مباشرة لذلك التداخل والتشرذم الذي نحصد ثماره اليوم، هي ثمارٌ مؤسفة على كل حال، لكن، أين هو موقع المثقف من كلّ هذا؟

 تاريخنا في أساسه هي مُحاولة خلق قطيعة بين الوجدان الكونفدرالي لمصلحة المركزية العربيَّة المنتصرة، ونحن نعلم أنَّ الثقافة العربيَّة انتصرت وسادت بحُكم ارتباطها بالدين، وهنا حدث التداخل بين الهويات وبين الثقافات، والمثقف باستمرار هو ضد السلطة بكل أنواعها، ولكن وعلى عكس ما كان مُتوقع؛ فإن موقع المثقف اليوم (وليس دوره) هو ما تراجع. 
 أعني أنَّ صورة المثقف لم تعد لها تلك الهيبة والفاعلية، ولم تعد الجماهير تُعوّل عليه كثيرًا، وحلّ محله السياسي ورحل الدين أيضاً. 

 ما السبب الرئيسي في هذا؟ أي في تراجع موقع المثقف؟
 ألا يلعب جبنُ المثقف وخوفهِ دورا كبيراً في هذا الأمر؟ ألا تقع المسؤولية على عاتق المثقف أيضاً كونه تخلى عن موقعه لصالح مجالات أخرى دون أدنى معارضة منه؟

الحقيقة أنَّ لذلك أسباب كثيرة جدًا، منها ما التجهيل المؤسس الذي تمارسه الحكومات القمعية على شعوبنا، وهو ما خلق -بالتالي- جماهير كارهة للثقافة، غير قادرة أو مستعدة لخوض غمار التجارب الفكرية، تعتمد على الوسائل السهلة والمُيسرة للمعرفة، وليست لديها الرغبة في قراءة كتاب بقدر ما تُفضل أن تتحصّل على المعلومة من فيلم أو مسرحيّة أو حتى أغنية، وهذا هو ما جعل أرباب هذه الفنون رموزًا اجتماعية وثقافيَّة.
 لا أحاول إنكار دور الفن في هذا المقام، ولكن علينا أيضًا ألا نغفل المادة الفنية التي تُقدّم، ما إذا كانت فعلًا مادة فنيّة قيمة أم لا. 
 لا أعتقد أنَّ المثقف "الحقيقي" جبان، هذه ليست من سمات المثقف الحقيقي، وإلا فنحن نتكلّم عن أنصاف مثقفين. 

 صحيح أنهُ تكفينا اليوم ساعة واحدة لملأ قاعة كبيرة جدا فقط لأن فناناً ما سيقوم بأداء عروضه هناك، في حين قد نجد عشرة أشخاص على الأكثر داخل ندوة ثقافية أو فكرية ما.. ألا تعتقد أنه بات يلزم المثقف اليوم الإمساك بأدوات معرفية جديدة لتقريب المسافات بينه وبين الجمهور؟

أعتقد أنَّ المثقف -بطبعه- يبتكر وسائل لنقل وإيصال رسالته إلى الجماهير، فالكتابة والنشر سواء النشر الورقي أو الإلكتروني بكل أنواعه هما جزء من هذه الوسائل، كما أن هنالك من المثقفين من يقومون بعمل ندوات ومحاضرات على اليوتيوب وهي جهود فرديَّة، ولهذا لا يكاد يكون صوت المثقف مسموعًا. يجب أن يتم دعم هذه الجهود من قبل المؤسسات ولابد من إيجاد وسيلة تجعل الثقافة والفِكر أمرًا جاذبًا للجمهور، وهذه مهمة صعبة.

" أيّ شيء جذاب وناعم لهُ قبول " 
قد تكون هذه القولة كافية لإعادة النظر في طريقة الخطاب المُمارس على الجماهير، فالخطاب في نهاية المطاف سلطة ( كما وضح ذلك فوكو ) يمارسها الفرد على الآخر للتحكم به، وهنا نكون أمام إشكالية في غاية التعقيد، وهي أن همّ المثقف اليوم هو " الظهور " وليس " العطاء "، إلى أيّ حدّ يمكننا أن نعتبر هذا القول صادقاً؟ 

 أنا في حواري أتحدث دائمًا عن المثقف "الحقيقي" والواقع أنَّ أولئك الذي يُحبون الظهور (وهم موجودون ومنتشرون طبعًا) فهم -بالنسبة إلي- أنصاف مثقفين وليسوا مثقفين حقيقيين في الغالب. ومن ناحية أخرى فإنَّنا عندما نتكلّم عن "الظهور" فإنَّنا يجب أن نفهم أنَّ الظهور في حدث ذاته "وسيلة" لتوصيل الأفكار والفِكر والرسالة، ولكننا لا نقصد هذا المعنى المُباشر للكلمة، وإنما نعني محاولات تلميع الذات. 

 لاحظت استعمالك المتكرر لمفهومين أساسيين " المثقف " و " أنصاف المثقفين "، ما الذي يعنيه المثقف عند هشام آدم؟ وكيف يمكننا أن نجزأ هذا المفهوم إلى ما هو أدنى مرتبة وذلك حين نأسس لمفهوم قد يكون جديداً نوعا ما، هذا المفهوم هو " أنصاف المثقفين "؟

يكمن الفارق الأساسي بينهما في الرسالة، فالمثقف الحقيقي لديه رسالة تنويرية واضحة المعالم، كما أنه مجتهد في سبيل الحصول على المعرفة وتطويرها في وعيها، وتطبيقها على نفسه. أما أنصاف المثقفين فهم غالبًا ليست لديهم رسالة، وعلاقتهم بالمعرفة هي علاقة شعائرية لا أكثر، ولهذا تجد التناقض الواضح بين ما يقولونه وبين ما يفعلونه، بين ما يدعون إليه، وبين ما يُؤمنون به فعلًا. 

 الإشكالية الأساسيّة التي تداعب جمجمتي الآن هي: لماذا لا نكتفي بالحديث عن المثقف؟ لماذا هذا الإستحضار الذي أعتبره بمثابة الهروب لمفهوم " أنصاف المثقفين "؟ ألا نمنحهم بهذه الطريقة اعترافاً ولو كان سلبياً بوجودهم وحضورهم؟

 ببساطة لأنَّهم هم الأكثر حضورًا في المشهد، وهم الأكثر فاعليَّة، وللأسف فإنَّ مستوى تأثيرهم هو ما يخلق الهوّة الشاسعة بين المثقف الحقيقي وبين الجمهور، وهو ما يُساعد على تغييب الوعي لدى الجماهير. الواقع المُؤسف أنَّ الوعي الجماهيري الحالي هو نتاج وصنيعة هؤلاء، وإن كان لابُد لنا من البدء في عملية وعي حقيقيَّة فيجب أن نبدأ بالتخلّص من أنصاف المثقفين. وأرجو ألَّا تُؤخذ كلمة "تخلص" على محمل مُتطرف، فهو ليس المقصود حتمًا.

 أليس هذا ضريبة لتعالي المثقف نحو السماء عوض التدرج للأرض بلغة بسيطة يستطيع الجمهور فهمها واستيعابها؟ لماذا دائما نحيط المثقف بتلك الهالة الكبيرة التي ترمي به أيضاً في حضنِ المقدس؟

 يُقال إنَّ أحد الشعراء سئل: "لماذا لا تنزل إلى مستوى الناس فيفهموا ما تقول؟" فأجابه الشاعر: "ولماذا لا يرتقي الناس إلى مستواي فيفهموا ما أقول؟" على الدوام كان المُثقف سواء لبس عمامة الشاعر أو بُردة الفيلسوف أو جُبّة النبي أو عباءة الكاهن قريبًا جدًا من وجدان الناس وعاطفتهم، ولهذا فإنَّ المثقف الحقيقي هو الذي يُناقش قضايا تمس حياة الناس بصورة مباشرة أو غير مباشرة. هو يتكلم عن طرائق تفكيرهم وبالتالي يتكلم عن أفكارهم الحياتية واليومية، والعلاقة بين المثقف والجمهور لم تكن يومًا ما علاقة نُخبة وعامة، ولكن ومنذ وقت ليس بالقصير أصبحت الثقافة على هذا النحو لرغبة البعض في تمييز أنفسهم. والتعالي الذي نتكلم عنه هي سمة أزعم أنها تخص أنصاف المثقفين وليس المثقفين، ولكن ثمّة هوّة كبيرة بين المثقف الحقيقي وبين الجمهور سبّبها تجريف الوعي الذي مارسته السياسة، وهي ما جعلت الجمهور يستشعر في لغة المثقف بنوع من الغرابة والتعقيد، وهذا غير صحيح، فلغة المثقف هي لغة العصر، بينما وعي الجمهور هو وعي "الحياة اليومية".

 أين يرى هشام آدم نفسه من هذا النقاش الدائر اليوم؟ وهل تعتبر نفسك مثقفاً يحمل همّا ورسالة وجب عليه إيصالها؟

 أنا لا أستطيع الحكم على نفسي يا عزيزي، هذا الحكم متروك للآخرين. أما عن نفسي فأرى أنَّ لدي رسالة أحاول أن أوصلها بقدر الإمكان، وأتمنى أن أترك أثراً جيدًا وفاعلًا قبل موتي.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق