ضيف تحت المجهر رفقة الدكتور يوسف المغاري


يهدف هذا المشروع لدعوة مفكرين مبدعين وضعوا بصمةً خاصةً لهم داخل مجالاتهم الفكرية والثقافية عامة، وقد قبل الدكتور يوسف المغاري أن يكون أول ضحية تخضع للمناقشة والمساءلة بعيداً عن لغة الخشب. 
وهذا هو الجزأ الأول الذي أجريناه مع الدكتور في انتظار أجزاء أخرى في الأيام القادمة، نتمنى أن نكون قد وفقنا في مسعانا هذا ووفقنا أيضاً في أسئلتنا الموجهة إليه. 

بداية، ماذا تريد أن أطلق عليك: البروفيسور أو الأستاذ أو الفنان أو الفيلسوف؟

 يمكنك مناداتي بما تشاء، لكنني أبقى دائما يوسف الإنسان. 

 حسناً، سيكون الأمر جميلاً حقاً أن ننزل لهذا التواضع ونصبح أحراراً من كلّ الصفات التي تم إلصاقنا بها، ماذا يعني لك الإسم؟

 الإسم قناع اجتماعي نتمايز به حسب المواقف سيميولوجيا. 

 أليس من التعاسة والشقاء أن نحمل فوق أكتافنا لسنين عديدة من الزمن إسما لم نختره أبداً؟

 تماماً، لكن ما دام الأمر يتعلق بقناع، فنحن نتجاوزه بممارساتنا اليومية، فنرتدي أقنعة أخرى نختارها أو تفرض علينا انطلاقاً من مواقف نتخدها في حياتنا أو نضطر على التموقع فيها، ولذلك يبقى الإسم مجرد بصمة اجتماعية تؤشر على أنك تنتمي لمجتمع انساني لا غير. 

 ما هو تقييمك لنفسك كمثقف داخل مجتمع لا زال يعاني الكثير من المشاكل على الصعيد الفكري؟ وهل ترى أنك قدمت شيئاً ما للأجيال القادمة؟

 بكل تواضع، أراني من بين المثقفين العصاميين الذين مروا من هنا، وقدموا حياتهم لخدمة أجيال من الشباب بكل نبل وتفاني قدر المستطاع، لكن بكل زهو أقدر ما قدمته وأقدمه شرط وجودي بعيداً عن أيّ براغماتية مبتذلة، بمعنى لم يكن عطائي المتواضع لهدف ذي مقابل، بل ذلك من مقومات وجودي وما أنا سوى عابر سبيل. 

 هل نفهم من ذلك أنه ليس من الواجب على المثقف أن يترك بصمة ملموسة له داخل خزانات الفكر؟ وأنّ البراغماتية هي ما يطبع ويثير المثقفين الذين وثقوا مجموعة من الأعمال سواء كانت كتبا أو بحوثا أو أعمالاً فكرية؟

 لا، ليس قصدي، لكن كل واحد حر في طريقة تحقيق ذاته، وربما هنالك دوافع غير معبر عنها لدى الكثير من المثقفين في الهرولة نحو النشر الورقي، بينما أميل الى موقف أفلاطون في أن المرء لا يصل الى درجة المفكر إلا في سن متأخرة  - ستين عاما بالنسبة له - وحسب تقديري فأنا في مرحلة الاستيعاب وسأظل فيها حتى النهاية، ولم أصل بعد الى لحظة النزيف، لكن ذلك لا يمنعني من اختراق المجالات المعرفية تأصيلا لتجاربي وتصحيحا لأفكاري، وتقويما لما أراه معوجا حسب تقديري في التصورات والأفكار التي أصطدم بها في مجالات اهتمامي. 

 هل يعني هذا أنه قد نرى في المستقبل كتاباً فكرية تحمل اسمك؟

 ربما في الاهتمامات التي أرى أنه قد أينعت فيها أفكاري بما يكفي وحان وقت قطافها، معتبرا أن مرحلة التدوين على أوسع نطاق قد بدأت استعداداً للرحيل.

نحن اذا على حافة الهاوية المظلمة! أليست هذه نظرة تشاؤمية بعض الشيء؟

 كنت دائما متفائلا في كومة أحلامي الرثة التي اقتنعت مع مرور الوقت أنها بدأت تتلاشى نظرا لمرور فرص تحقيقها. وبما أني قد لبست قناع المناضل منذ مراهقتي، وقيدت نفسي بالآخر وسعادته، ولم أبحث عن منفعتي الذاتية أبدا، فانني أجدني تعيسا في عمقي رغم ما يبدو عليَ من تفاؤل ظاهري، وما عمق لدي هذا الاحساس هو ارتمائي في المجالات الفنية التي آمنت بتعاسة الانسان كدافع الى الابداع. هذا الاحساس امتزج من حيث لا أعلم بالاحباطات الاجتماعية التي يعج بها محيطي الاجتماعي، بعيدا عن نجاحي الشخصي في مساري الثقافي والمهني. 

 قولك هذا يجرنا للتساؤل حول تجربتك الإبداعية عامة، كمثقف عاش رفقة جيلين مختلفين تماماً، أين يجد يوسف الإنسان ذاته اليوم؟

 بكل تواضع، أخترق كل المجالات الثقافية وأراني مهتما بها ممارسا لبعضها، من الأدب وخاصة الشعر والرسم والنحت باعتبارها حقولا تفتح لي أبعادا كانت موصدة أمامي ذات يوم. وكأخصائي نفسي، مارس تدريس الفلسفة لأكثر من 34 سنة بعد تدريسي اللغة العربية والتربية الاسلامية لردح من الزمن في بداية مشواري التربوي، فإني أجد نفسي مستمتعا ومنتشيا بكل ألوان المعرفة التي أصادفها، بل إني أمد الجسور بينها كحقل ثقافي واحد تنصهر في بوثقته كل التعبيرات السيميولوجية للانسان. 

 أليس صعبا هذا التنقل بين صرامة اللغة العربية وقبول التربية الإسلامية ثم الإنتقال إلى فوضى الفلسفة والحكمة؟ وكيف استطعت المزج بين هذه التناقضات والتوافق معها؟

 لا، كل هذه المجالات كانت قد استهوتني ذات يوم إما اضطرارا أو اختيارا، فكان علي استيعابها، وخاصة أني كنت قد متنت تكويني اللغوي في الفرنسية والانجليزية مبكرا دون اللغة العربية، وارتمائي في تدريس اللغة العربية ساعدني على تصليب استعمالي لها، ولما كنت أمارس تدريس الفلسفة، أيقظت في الحس النضالي الذي حملته مذ كنت تلميذا بالثانوي وطالبا بالجامعة. كل هذا ألزمني على إيجاد كيفية ما للتعبير عن اهتماماتي وأحاسيسي، فجاء اهتمامي بالمجالات الإبداعية  الأخرى.
يتبع



حاوره: محمود العكري 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق