ضيف تحت المجهر رفقة الفنان سلام أحمد


حاوره: محمود العكري

يهدف هذا المشروع لدعوة مفكرين مبدعين وضعوا بصمةً خاصةً لهم داخل مجالاتهم الفكرية والثقافية عامة، وقد قبل الفنان سلام أحمد أن يخضع للمناقشة والمساءلة بعيداً عن لغة الخشب. 
وهذا هو الجزأ الأول الذي أجريناه مع الفنان، في انتظار أجزاء أخرى في الأيام القادمة، نتمنى أن نكون قد وفقنا في مسعانا هذا ووفقنا أيضاً في أسئلتنا الموجهة إليه.

بداية بماذا تود أن أناديك؟

سلام.

ماذا يعني لك السلام؟ 

أن أتصالح مع ذاتي لأنني دائما في حال صراع معها. 

من هو سلام أحمد؟ 

انسان ولد في هذا العالم القاسي اللامبالي، يحاول جاهدا الحفاظ على ما تبقى له من رمق، باحثٌ عن حب عميق لا زال مفقودا. 

هل يمكنك أن تعرفنا على مسيرة سلام أحمد الفكرية والفنية والأدبية؟

بدأت بالرسم في سن السادسة، كتبت الشعر في سن الثامنة على ما أذكر، ومنذ ذلك الوقت وأنا اتابع مسيرتي دون كلل، درست الفلسفة في جامعة دمشق وتابعت الرسم دراسة خاصة، تخرجت من قسم الفلسفة عام 1995، وصدر لي ديوانان " سرير العتمة " و " فضاءات المتخيل "، وكان أول معرض لي في 2001 صالة ايبلا. 

مسيرتك كانت متنوّعة حيث تنقلت بين كثير من المجالات، ما الذي ساعدك على هذا التنقل؟

الغنى الروحي والحياة التي عشتها من فقر وعوز الى الشغف بالثقافة والفن. 

ما الذي يعنيه لك الرسم؟

الرسم هو الرئة التي أتنفس بها، هو العين والدم الذي يجري في عروقي. 

نفس السؤال بخصوص الشعر؟

الشعر هو حكمي على العالم والأشياء التي حولي، الحب الذي افتقده الفكر، الذي يتحول للغة عميقة وبسيطة. 

هل يمكنك أن تقربنا أكثر من هذا الأمر؟ 

أحاول أحيانا أن أتأمل جوهر الأشياء ( البشر - الطبيعة.. ) لأخرج برؤيا حول طبيعة الوجود، أما الحب فهو شيء آخر، لم أكن يوما لألتقي بمن أحب، وحين التقيت به كان ذلك متأخراً جدا، كأنك تنظر لوجه ظللت طوال حياتك تبحث عنه وما أن تراه حتى يغيب في زحام المدن. 

ألا تعتقد أنّ هذا هو قدر الفنان؟ أي الألم والمعاناة؟

نعم لكن الألم يكون شديداً لسبب بعينه، وذلك نتيجة لحساسية الفنان غير العادية. 

هل يمكننا أن نبدع في المجال الفني دون حضور عنصر الألم؟

نعم ولا، نعم إن أردت أن تكون فنانا يمتلك تقنياته يمكنك الابداع لكن بلا شغف أو رغبة في تحدي ذائقة الآخر، ولا لأن الفنان الحقيقي يحتاج لأكثر من امتلاك الأدوات، فهو يحتاج للغنى الروحي والقراءة المتأنية، أي أنه يحتاج للثقافة. 

كيف كان قرار انتقالك من جمالية الرسم والشعر نحو صرامة الفلسفة وقلقها؟

أعتقد أن في داخلي مفكر لا يقتنع بمعطيات الموروث الثقافي ولا حتى قيم الجماعة، الفلسفة يمكن أن تطرح تساؤلاتها العميقة والفكر يحاول الاجابة، أعتقد أن لا حدود للفلسفة. 
إن مشروعية الفلسفة تأتي من رغبة الكائن في الفهم وايجاد البدائل. 

هل قررت الحسم مع مجال محدد أم أنك استمريت داخل التنقل بين هذه المجالات الفكرية؟

ليس بعد، لأنني فنان تشكيلي وشاعر كوني دارسا للفلسفة، لا أجرؤ على تسمية ذاتي بالفيلسوف، أنا فقط أعطي وجهة أخرى للحياة والوجود من خلال نتاجي الشعري والتشكيلي، لست معنيا بالتسميات كثيرا، الاهم هو ما أستطيع وما أنا قادر على تقديمه. 

ما العلاقة التي تجمع سلام بالفلسفة والشعر والرسم؟

إنها من أسوء أنواع العلاقات، إنه الثالوث الكفيل بتدمير حياة هذا الشخص الذي يفكر كثيرا، يتألم كثيرا، ويرسم بيأس لا حدود له. 

تحدثت عن الموروث الثقافي، هل واجهت معه صعوبات ما؟ خصوصاً وأنك اتجهت لمجالات فكرية قد نعتبرها ما تزال تابوهات داخل المجتمعات العربية؟

نعم لأسباب كثيرة، فالموروث الثقافي أشبه بقناع يجعلك لا ترى سوى ما قيل، لكنك لا تجرؤ على طرح سؤال: لماذا وهل علي أن أحيا وفق ماض من المحال أن يتماشى مع معايير العلم والعصر؟! 
كما أنّ التاريخ الذي قيل لنا كان أكذوبة لأنه كان مزيفا، لم يكن تاريخا أعطى خيارات أو بدائل تستطيع الاختيار بينها، إنه تاريخ خُلق بدم الأبرياء والمظلومين. 

أي تاريخ تقصد بالضبط؟

التاريخ المبني على قيم القداسة. 

هل يمكنك أن تكون أكثر تحديدا في الإعتراف بماهية هذا التاريخ الذي تقصده؟

الفكر الديني الذي نعيش كوارثه الآن هو نتاج فكر لم يستطع رغم كل هذه القرون أن ينتج ثقافة تحاول التوافق مع متطلبات العصر وتطوراته المذهلة، نحن فقط نستهلك دلالاته، والفكر الديني قضى على كل محاولة من قبل المفكرين للخروج من النفق إما بالقتل أو الاضطهاد أو سد الأفواه. 

نفهم من ذلك أن سبب التخلف الذي نعيشه اليوم وكوارث الحروب الدامية التي نشاهدها هو هذا الفكر الديني؟

نعم الى حد بعيد، لكن ليس بالمطلق، الأمر يتعلق بالصراع بين قوى تحاول الآن السيطرة عبر وسائل هائلة القوة والنفوذ اقتصاديا عبر عولمة القيم وتوحيدها مستفيدة من ثورة الاتصالات، وبين فكر ضعيف يجتر ذاته ويفقد قليلا قليلا مساحاته التي اكتسبها من النفاق والكذب وتزوير الحقائق، هذا الفكر لم يعد يملك سوى العنف أداةً وهو دليل ضعف وانحدار. 

ألا ترى معي أنّ للمثقف والمفكر الذي يعيش داخل هذه المجتمعات دور كبير أيضاً في هذا الإنحطاط؟

نعم، لأن الثقافة في مجتمع يعاني من فصام أخلاقي لا تكفي، الثقافة قبل كل شيء ينبغي أن توفر ضمن مجتمع يؤمن بتعددية الفكر وحرية الانسان بتبني أي رأي مخالف وتقبله، فالمجتمع الذي يُشترى فيه المثقف ليس مجتمعا طبيعيا والمجتمع الذي يخشى فيه المثقف الحقيقي تهمة التكفير  ليس مجتمعا طبيعيا. 

ما الحل الأمثل في نظرك للخروج من غياهب الظلام هذه التي صارت عنواناً لحياتنا؟

أعتقد أننا يجب أن نفهم أنّ تراثنا لم يعد كافيا لفهم الواقع المتطور بشكل مذهل، علينا أن نفهم أنّ الدين ينبغي أن يتوقف عن التدخل في حياة البشرية تماما، يجب أن تتاح لنا فرصة نقد التاريخ المزيف الذي نقله السلف وجمله دون خوف، الحياة أقوى من هؤلاء، لكن القيم بالذات تحتاج وقتا لتتغير فهي ليست كالمعطى العلمي والاقتصادي، فهي تتأثر بالكثير من العوامل منها التحولات الاقتصادية التي بدورها تؤثر في وضع المرأة من حيث استقلالها الاقتصادي والاجتماعي. 

يتبع.. 


عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق