هبة يوسف تكتب: مذكرات غريب


أنا هنا فقط لأني لا أملكُ المغادرة!
ظليَّ الهزيلُ هذا يترصدني بحزمٍ وورعٍ وكأنّني لصٌ ملثّمٌ يتربع بطيفهِ في حدودِ زوايةٍ صغيرة يعتبرهُ اقتحامٌ لقدسيتهِ، يطيلُ المكوثَ في آخر رواقِ قرب الستارة وهذه هي بقعتهُ المنشودة ولايحقُ لأيِّ شخص المرور عبرهُ في فترة حظر تجوالٍ وكأنّهُ مرّئيٌّ هذا البغيض!
في كل ليلةٍ يأتي متخفّياً بزيّ من أزيائي ويغدقُ على وجههِ قناعاً يخفي وراءه "مئةُ عامٍ من العزلة" أو أكثر 
لشخصٍ لا يكترثُ لوجودهِ لوحُ الخشب الخردةِ القابعُ على أرصفة الطرقات.
في كلِّ ليلةٍ أسمعهُ خلسةً وهو يستطرقُ الحديثَ عني وعن عثراتي مع مشاركة تتخلّلهاَِ أشياءي، حتى يصلُ لوهلةٍ إلى مرحلةٍ من الغيبةِ والنميمة اللامبالية لقلبٍ تمزّقَ بهفواته 
الوضيعة وهو لا يزالُ بعزلتهِ المخبولة..
طفولتي، ذكرياتي، أرجوحتي، حتى ساعة الجدارِ القديمة لن يرحمها من عرضهِ الفظ لمقتطفاتٍ يطلقُ عليها اسمَ خيبات وأنا أدرك تماماً لو أنّهُ عرف سبب خيبتي هي وجوده على حائطي حينها سيجدُ الموتَ ملاذاً له أو لربما رمَى بنفسه من شرفتي عند الاعتراف الأول لي مع النافذةِ، كم كان ساذجاً بحقي!
هناك شيئاً من كياني أخبرني البارحة بوصيّةٍ تركها لكَ مغفلكَ المنتحر، أقرأه جيداً فهي من بقاياهُ الحزينة
"عزيزي جسدي جالستك تسعةَ عشرَ عامٍ وتحمّلتُ غموضكَ وأنانيتكَ وأبقيتني غريباً عنكَ، مع أنني كنتُ من ذاتكَ وأنكرتني كولدٍ عاقٍ لوالديهِ، فأشفقَ الجدارُ عليَّ وصادقني وكان لي خيرُ صديقٍ منكَ..
كما أنّهُ تعهد بتوصية جدران قبري عند الرحيل 
أمّا الآن أحمدُ اللهَ وأصلي لهُ مع أنني قمتُ بقتلي نفسي على شرفتكَ، لكنّني أجدُ السعادة في موتيَ بعيدةً عنكَ وحتى في ظلمة قبري هي نورٌ يضيءُ زوايةً من زوايا غرفتكَ التي لطالما مكثتُ بها بجواركَ وأنتَ لا تبالي إلا لظلي، فأنا الذي كنت أتحدث عنكَ خلسةً ليس من باب النميمة أو الثرثرة كما اعتقدتْ! كنتُ أحاولُ فقط أنا وقلمكَ الثأر رسمَ شخص جديد مفعمٍ بالحبِ وبملامحَ جميلة ثم أقومُ بتعليقها كشاخصةٍ على جدارك وأكتب "هنا كان يرقد فاذكروهُ".

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق