فرح أسعد تكتب: رسالة إلى بريد الموتى



أُعاني كلما ابتسمت، صوتٌ غريبٌ في داخلي يَسألني كُلّ صباحٍ من أنتِ، بل من أنتْ؟
شيءٌ حزينٌ ومؤذٍ أنني سلمتُ بكَ، ومشينا في هذه الطريق العوجاء سوياً وأنت بجانبي أتعثرُ.
حاولت طيلة الطريق الإمساك بيديك، وكنتَ تُفلتُ يديّ متعمداً وتسرعُ أكثر وأكثر
هذا الطريق لكلينا فقط، وهذا الاعوجاجُ من اعوجاج قدمينا، لِمَ لمْ تقف وتَقطف لي الوردة تلك؟
وظلت تتحدث عن الياسمين الذي بدأ يتسخ بالدم وأن عليك غسله بماء المقل، بالله عليك ومن سيغسلني من جرحي حين يصبح أعتى وأكبر؟
وأَطلقتَ الرصاص على كلّ الطيور، واصطدتَ كلّ الفراشاتِ...أَمجنونٌ أنت؟
ثم قررت عنا أننا أنهينا هذا الطريق الوعر
وأَكملتَ في طريقٍ آخر.. طريقِ الشهادةِ، تاركاً إياي في ذاك الطريق وحيدةً، على ذات الحجارة القاسية.
أين طيوري، أين زهوري، ولماذا كلُّ طريقي أشواكٌ وجثثٌ هامدةٌ، وخيالاتٌ أُلاحقها تشبهك أنتَ؟ 
من الجاني على طفلةٍ حمقاء حاولت اللحاق بقاتل طيورها طوال الوقت؟
ومن ظالمُ عجوزٍ خرقاء حاولت الإستراحة بعض الوقت فغفت قليلاً، ولما استيقَظَتْ رحل الجميعُ!
ولم يتوجب عليّ البكاءُ على فقدانك طوال العمرِ؟
وهل كان في هذا الطريق سوانا أيها الرفيق؟
ألستَ أول من دعاني لنكمل الطريقَ 
ألستَ ذات الإنسان الذي مدّ لي يده في بادئ الأمر ثم أفلتني دون سببٍ؟ وهل يحقّ للوطن أن يكون سبباً في رحيلك؟ لماذا أحببته أكثر مني وتركتني لأجله؟
ألستَ الذي دعا البؤس ليُشاركنا طريقنا ثم دمرتني ودمرتَ الطريق، ورحلت السماء غير آبه بتلك الوفية المنتظرة؟
مضيتُ وحدي كَكُلّ الحمقى أحمِلُ في قلبي ندم جميع كفارِ الأرض يوم القيامة، حاولت مراراً زرع الأزهارِ ومناداةَ الطيور والفراشات، وفشلتُ، ووقفت مراراً أنظرُ إلى الخلف وأنتظرك، قد تأتي ولم تأتِ.
ومشيتُ مشيتُ إلى أن إستيقظت ذات يوم على سريرٍ أبيض جميل، كان ثمّة رجلٌ يسألني من أنا، فأُجيبه عن الطريق وعنك، ثم يبتسم ويشير لممرضةٍ قاسيةٍ كي تحقنني بالإبرة وتدعني أصمت.
كلّ مرةٍ أستيقظُ فيها يفعلون بي ذلك
لذلك لم أعد أفتح لهم عيوني، أسمعهم كلَّ يوم يتحدثون عن غيبوبتي، لكنني أستطيعُ الإستيقاظ اؤكد لك، المشكلة فقط أن قدماي تُؤلمانني قليلاً وأجفاني متلصقة بي مذعورة ،وشفاهي مابالها بكماء! ليتهم يصمتون قليلاً كي أستطيع النوم من هذه الغيبوبة، وقد قرروا أن يأخُذوا قلبي لطفلةٍ مريضة
هم مخطئون جداً فقلبي موبوءٌ وليس سليماً، وقد أرادوا إنتزاع كبدي وتقديمه لرجلٍ ما،وقال الطبيب للممرضة أن رئتي اليمنى ستكون مناسبةً لتلك الأمّ المدخنة.
تخيل أنهم لن يسمحوا لي حتى بالموت يريدون أن يشتتوا رفاتي وستتوه أجزائي في قبورٍ مختلفةٍ
ً-لم أجادلهم-  المهم أن قدماي لاتزالا موجودتين لأكمل المسير في الطريق واللحاق بك
ويديّ يديّ هاهنا سأمدهما لك دوماً علك ذات يومٍ تعود.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق