ضيف تحت المجهر رفقة الدكتور يوسف المغاري ( الجزأ الثاني )


حاوره: محمود العكري

يهدف هذا المشروع لدعوة مفكرين مبدعين وضعوا بصمةً خاصةً لهم داخل مجالاتهم الفكرية والثقافية عامة، وقد قبل يوسف المغاري أن يخضع للمناقشة والمساءلة بعيداً عن لغة الخشب. 
وهذا هو الجزأ الثاني الذي أجريناه مع الأستاذ، في انتظار أجزاء أخرى في الأيام القادمة، نتمنى أن نكون قد وفقنا في مسعانا هذا ووفقنا أيضاً في أسئلتنا الموجهة إليه.

كيف تقيم محطتك الجامعية؟ وما هي العراقيل التي كانت تقف أمامك كأستاذ جامعي له طموح ما؟

 لم يكن لدي طموح شخصي على الاطلاق، وما اخترت ذلك، لكنها كانت محطة ضرورية لأخد الخبرة كأستاذ في نفس الجامعة التي كنت فيها طالبا، لكن مع الأسف من خابر الجامعة في الآونة الأخيرة سيتألم بكل موضوعية. 

 أريد أن أتحدث بالضبط حول هذه النقطة، أي كونك كنت طالبا بجامعة فاس وتخرجت لتدرس فيها، كيف كانت تجربتك كطالب هناك وكيف كانت كأستاذ؟ ثم ما الفرق بينهما؟

 هنالك بون شاسع، فعلى مستوى الجو السائد عموما كطلبة يحملون أحلاما بقدر الجبال، أو على مستوى طبيعة الأساتدة سواء في تعاملهم التربوي أو نظرتهم للطلبة، أو في طموحهم لتطوير البحث العلمي. لكن في مرحلة الأستاذية كان كل شيء قد تغير، مما جعل الجامعة مرتعا للتطرف والعنف في غياب الدور الفعال للأستاذ، وهذا انعكس سلبا على التكوين وأيضا على تمثلات الطالب حتى حول ذاته وانتمائه لهذا للمجتمع...

 لقد عايشنا جميعا أحداثا مؤسفة للغاية داخل أسوار الجامعة، وقد وصل الأمر حد القتل، وهذا ما جعل من الجامعة مكاناً لا يجد فيه المثقف راحته، لأن الجو لا يسمح بذلك، أين يكمن المشكل في نظرك؟ الأستاذ؟ الطالب؟ أم في المنظومة التعليمية بأكملها وعلى رأسها سياسة الدولة التكليخية؟

 أنا أعتبر أن هناك عوامل تكوينية ترجع إلى مقومات التربية الأسرية وأخطاءها وزلاتها من ناحية، ومن ناحية أخرى، هنالك هفوات المدرسة التي تغيب عنها الثقافة السيكولوجية  والدراسات التربوية القائمة على المعطيات العلمية، إذ بدل أن تعمل على إصلاح أعطاب البيت، فهي تعمل على استمراريتها وتعميقها. هذا يشكل أرضية خصبة لظهور ظواهر مفاجئة لا تنتظر إلا عوامل مفجرة وهو ما تقدمه الجامعة بدءاً بالجانب المادي إلى  البنية التحتية الجامعية إلى البرامج التي تعمل على ملء الطالب بعيدا عن الحس التطبيقي الذي ينشد إلى عالم الشغل إلى ضعف الحس التربوي البيداغوجي لدى المسؤولين والأساتذة على السواء. وفي ظل هذه، لا يمكن للطالب إلا أن يكون كما أشرت في سؤالك، مع العلم أن الطالب ليس نتاج سوسيوثقافي صرف، لكن أيضا هنالك امكانية لكف هذه العوامل السلبية، واستحداث قوة إيجابية قادرة على بناء شخصية إيجابية وفعالة لدى الطالب، لكن مع الأسف العوامل السلبية تخلق من هذا الأخير فردا يُستغل من طرف جهات معينة لتحقيق أجندة لا علاقة لها بالهم العلمي أو بالوضع الجامعي. 

 إلى أين تسير الجامعة بصراحة أستاذ يوسف؟ وما موقفكم كأطر مثقفة ونخبة مكونة من هذا الضياع والتشتت التي تعيش على أنقاضه الجامعة؟

 أنا في نظري ينبغي أن تجتمع كل القوى الفاعلة من أحزاب ونقابات وجمعيات جادة في المجتمع المدني وأساتدة بالإضافة إلى خبراء في المجال وممثلين عن الطلبة لوضع ميثاق تربوي على المدى المتوسط والبعيد  لتحديد ماذا نريد وما هي الوسائل الكفيلة للخروج من المأزق الذي يتخبط فيه تعليمنا عموما والجامعي خصوصا.. 

 ألا ترى بأن هذه القوى الفاعلة مفعول بها أصلاً؟ وأنها قوى مريضة وجب موتها لعل وعسى يخلق جيل جديد له نظرته وقوته الفكرية؟

 أبدا، لا أرى بكل موضوعية بديلا لها، أنت تعلم مع الأسف أن ليس هنالك أي بديل في المدى المنظور، بل هنالك جهات تتربص بالمغرب وباستقراره وخاصة مع تردي الوعي لدى الشباب بكل تجرد، مما يجعل امكانية ايجاد بديل أمرا صعبا بل مستحيلا. ويبقى الحل الهادىء والعقلاني في نظري في اطار ما أشرت اليه بكل موضوعية وبكل تواضع. 

 ألهذه الدرجة من الإنحطاط وصلنا حقا؟ وهل فعلا تؤمن بنظرية الأيادي الخفية التي تتربص باستقرار المغرب؟

 ليس هذا أمرا خفيا الآن،  وربما حتى من داخل الوطن، ليس بشكل مقصود ومباشر، ولكن من يعرقل تقدم البلاد في وضع عراقل أمام ازدهار بلدنا هو مخرب بشكل من الأشكال. 

هل يمكنك أن تضعنا أمام الصورة بشكلها الواضح وضوح الشمس وتقول لنا عن من الذين يتحملون مسؤولية ما وصلنا له من رداءة وانحطاط على كافة المجالات؟

 أعتقد أني أشرت إلى ذلك، لكن أؤكد أن المسؤولية متقاسمة بين المسؤولين والأسرة ورجال التعليم الذين استخفوا بالعمل النقابي والسياسي، مع العلم أن مسؤولية الدولة تبقى الأخطر عندما لم تضع استراتيجية مندمجة بعيدة المدى. 

 المشكلة الأساسية تكمن في أنّ جلّ شباب اليوم لا علاقة لهم بالسياسة ولا يودون أن تكون لهم علاقة بذلك كما أنهم لا يثقون في ممثليها، أليس علينا إعادة النظر في مفهوم رجل السياسة أولاً؟

 لا يأتي المطر بنعيق الغراب يا صديقي. تغيير الأمور يأتي بالتواجد والممارسة، وليس بالقذف والنحيب، وهذا ما سيسمح بتغيير ما يرونه فاسدا، فليس هنالك من يصدهم عن الانخراط المكثف في السياسة كما فعلنا ذات يوم، وفي ظروف عصيبة، فلا تغيير بدون تنظيمات سياسية كما يؤكد على ذلك لينين، والبقاء خارج أرضية  الملعب يجعل منك متفرجا ليس إلا.

 لديك تجربة في السياسة، سبق لك وأن شاركت في الإنتخابات ذات يوم، ما هو تقييمك العام لتلك المحطة؟ وكيف كانت حصيلة المشاركة خصوصاً من طرف الشباب؟

 منذ انخراطي في المجال السياسي في بداية السبعينيات وأنا تلميذ آنذاك بالثانوية إلى اليوم، وأنا متواجد دون أن أكون شوفينيا منقاذا بشكل أعمى،  ومن هنا يمكن لي القول بأني واكبت إلى حد ما كل التحولات المورفوسوسيولوجية في مجتمعنا والتي تبرز بوضوح  خصوصا في مرحلة الاستحقاقات. وفي تقديري المتواضع أن هنالك نوعا من الفوبيا السياسية تم توريثها للشباب من طرف الآباء، نظرا لما عانى منه جيل مرحلة النار والحديد التي عرفها المغرب، والتي عمقتها بعض الممارسات السياسية المشينة التي دفعت إلى نوع من العزوف عن السياسة، مما ترك المجال مترعا لنيات سيئة سواء داخل النخبة الحاكمة، أو في التنظيمات السياسية والحزبية مما زكى تمثلات الشباب للسياسة في أحط وظائفها وصورها، بدل العمل على إصلاح ما ظهر فيها  من تشوهات في ظروف متأزمة الجميع يعرفه. ولهذا  يمكن القول أن من يعول على الشعبوية واستنفار الشعوب لتغيير ما أفسدته سنوات الرصاص، واهم كل الوهم، ففي غياب الانخراط في التنظيمات السياسية واصلاحها من الداخل إن تطلب الامر ذلك، مما سيعمل على وضع برامج سياسية واعية تستند إلى الدراسات العلمية بدل استغلال سذاجة المواطن المفتقدة إلى عمق في الوعي والخبرة، إذا أردنا فعلا التغيير الهادىء والمضمون النتائج.

لقد تم تدجين مفهوم السياسة من طرف السياسي نفسه، ولكي يستعيد الشباب ثقتهم بالسياسة، عليهم أولاً أن يستعيدوا الثقة بالسياسي، وهذا أمر مستبعد على الأقل في الوقت الحالي، حيث تخدم السياسة مصالح شخصية لا علاقة لها بالمنفعة العامة، في نظرك ما هو الحل المناسب لنعيد الثقة للشباب في كون السياسة مفهوم مغاير تماماً لما يتم ممارسته من قبل السياسي الفاسد؟

 ليس هنالك حل سحري لالزامهم على الانخراط الفعال  في الحقل السياسي، لكن عليهم  كسر هذا الطابو والتجرؤ على الدخول الى المعمعة أفواجا أفواجا حتى يتسنى لهم تغيير ما يرونه معوجا. دون ذلك لا يمكن انتظار حتى تتعبد كل الطرق أمامهم لينخرطوا، فمن باب النضال أيضا العمل على تغيير وسائل التغيير وطرق انجازه. دون ذلك ستكون كل المحاولات خطيرة وغير مضمونة النتائج، ولنا في أقطار حاولت ذلك خير درس. 

 كيف يرى يوسف الإنسان السياسة؟ وهل هي حقاً مجالٌ يجب على المثقف خوض غمار أم أنها مجرد هراء كما يرى البعض؟ وهل يمكن أن يلتقي الإنسان والسياسيّ في نفس المفهوم؟

 السياسة في الأصل مجال اشتغال المثقفين. فاليونان هم من نحتوا هذا المفهوم وكان حكرا على المثقفين  باعتبارها فعالية نبيلة، واذا زاغ بعض الناس عن المعنى الحقيقي للسياسة، فهذا لا يعني ضرورة نبذ هذا المفهوم بوظيفته النبيلة الضرورية لكل مجتمع إنساني، أو ترك الغوغاء وذوي النفوس المريضة تعبث بحياة مجتمعاتنا، فذلك سقوط في الانتطارية والارتماء في أحضان المجهول. لذلك فدور المثقف أساسي في المساهمة في تصميم الحلول، وليس بالضرورة أن يكون قياديا أو يضطلع بمسؤولية تنظيمية، فلكل وظيفة ث من يصلح لها... شريطة أن يتشبث المثقف بثوابته بعيدا عن الطاووسية أو موالات ريعية.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق