عبد الجليل ولد حموية يكتب: جنازة في عالم آخر



صب "كريولة" آخر نقطة من علبة صمغ عجلات الدراجات "السليسيون" وصوب عينيه الشبه مغمضتين بالأوكسيجين الملوث نحو صديقه : 
أرا أداك الق*** ديك باطة دنورطيكس بلا متغندلني.
مد "الكرفي"علبة السيليسيون ل"كريولة" مغمض العينين. عملية الاستلام والتسليم مرت ببطء شديد كأنها عملية تبادل المُقل.
فتح "كريولة" العلبة كأنه يفتح أبواب السماء لتحقيق دعوات الفقراء المُهملة. وزن العلبة الذي لا يتجاوز بضعة غرامات أثقل من تنهيدة يتيم، أحب إلى قلبيهما من النظر في وجه الأم، أشهى من ثدي عروس البحر، أكثر إغراء من مؤخرة مكتنزة. صب "كريولة" العلبة كلها وكمش الكيس البلاستيكي على طريقة "الطعريجة"، عقده من أسفل ليتخذ شكل رئة اصطناعية تضخ في جسده المتآكل أحلاما يهرب بها من قسوة الحياة للحظات، تكلفه  الفسحة الوردية القصيرة  تدمير ما بقي من جسده صامدا أمام لكمات الحياة، يقايض سنين شبابه التعيس بغفوة وردية. مسكها بين أصابعه بحنان وهدوء كشفاه عذراء، تحسسها كموسيقي يراقب جودة  أوتار آلته قبل العزف، و مدى استعدادها للبكاء طربا، ونضج الموسيقى بين قسماتها. وضع الكيس في فمه وجمع كل تركيزه من أجل إطلاق صافرة الانغماس في التقبيل العبق برائحة "التبويقة". التحمت شفتاه بالكيس، تعمق قليلا بلسانه داخله يتحسس جودة الهواء. رائحة "السيلسيون" تغريه بالتعمق أكثر، غرس أصابعه في مؤخرة الكيس، تخيله يتأوه بين يديه، قبله بقسوة وسحب منه سحبة عميقة، باغته صوت مزعج: 
وكريولة...وكريولة...وكريولة...
خرج صبي يرتدي أسمالا بالية من بين الموجات الصوتية يركض نحوهما. تخرج من الثياب المهترئة أعضاء هزيلة كمنكوبي مجاعة، ملامح بريئة تتوسطها ابتسامة نصفها تلاشى  بضعف العناية والتنظيف. أنهكه الفقر وتحمله عبء الزمان قبل نضوج الشعور بالوقت داخله ، كفكرة خرجت إلى العلن طرية قبل تأكد صاحبها منها، وقبل أن تتقوى بالإيمان، عضلاته الشبه منعدمة مفتولة بالجوع، لونه يميل إلى البني بسبب الأوساخ. نفس الطفولة عاشها "كريولة" و"الكرفي" وباقي شمكارة المدينة، كلهم تتلمذوا على يد أستاذ لم يكن يلتفت إليهم الا عندما يملأ بطنه ماء حياة رخيص، الأستاذ الزمان العامل بمدرسة الهامش. القواد الذي يقدمهم قرابين لإشفاء غليل الأغنياء، كي يشعروا بالتميز، لولاهم لما كان لغناهم أي قيمة...
إلتفت "كريولة" ببطء شديد إليه يريد تأخير لحظة سماعه الخبر، ارتدت ملامحه كآبة وحزنا، استشف من صوته بؤس النبأ الذي يحمله. سبحت توقعاته في سماء غارقة في الحِداد، طرحت أمامه الاحتمالات السوداء، استعد نفسيا للصدمة، حاول تخفيف وقعها حتى قبل أن تحصل. لملم قواه الخائرة وأمر الصبي بالتقيؤ.
جرت الرياح  بما لا تشتهي سفن خيبته، وكانت توقعاته مجرد تطبيل في الماء، فقد بها منسوب خيالٍ ربما يحتاجه ساعة حوار مع الكيس البلاستيكي.  فارقت حبيبته الوحيدة الحياة، هذا هو مضمون الخبر الذي أحضره نذير الشؤم، تمنى لو أن الأمر غير حقيقي،  أو من  وحي التبويقة وهلوسة "السيليسيون". حاول أن يقنع نفسه انها احدى مرات تقمص الخيال دور الواقع بفعل فاعل.  الأمر يقيني الوجود، لا مفر من تقبله. استفز حقيقة الأمر بإعادة السؤال مرات ومرات على الطفل لعله يجد في إجابته تناقضا يوهمه أن الأمر كذبة أو مكيدة من مكائد "التشمكيرة". تبت الصبي على إجابته تبوث المؤمن يوم السؤال، لم تفلح تهديداته في دفعه إلى العدول عن زعمه، أعاد  نفس الجملة المشؤومة باحترافية إذاعي برامج ما بعد نوم البشر العادي الخالي من العقد العاطفية والمشاكل الاجتماعية غير محدودة. كلما ضغط "كريولة" أكثر إلا وزاد تشبث الصبي بأقواله. 
 ضم "الكرفي" صديقه "كرويلة" إلى حضنه محاولا مواساته والتخفيف من وطأة الخبر. أطلق الآخير العنان لنهر دموعه الممزوج بمذاق صمغ العجلات ليبلل قميص "الكرفي" الذي أكل الدهر نصفه فتحول إلى حمالة صدر عصرية. أرسل "الكرفي" الصبي ليحضر شيخ الشمكارة الأب "رومبو" لتلاوة نشيد الفقيدة ترحما على روحها  النتنة برائحة التشمكيرة والفقر.
بالرغم من المكانة التي يحتلها "الكرفي" في حياة "كريولة"، إلا أن الفراغ الذي ستتركه الحبيبة الراحلة لن يستطيع لا هو ولا غيره ملأه، كانت الصديقة، والرفيقة، والحبيبة...كانت الحياة.
حضر جميع شمكارة المدينة لتأبين جثمان الفقيدة و مواساة صديقهم المخضرم، نظرا للمكانة المتميزة التي يحظى بها "كريولة " في قلوبهم، هو الأخ الكبير والمعين عند الشدائد، والبنك المركزي ل"شمكارة" المدينة. التف الجميع حول عربة "ميخالة" وضعت  فيها جثة الفقيدة ملفوفة في قطعة ثوب سوداء، هي طريقة تكفين الموتى في أعراف القاطنين بين أحلام اليقظة والخيال. تقدم الى جانب العربة الأب الروحي ل"شمكارة" المدينة، يستعين بعصاه المهترئة ليبدو شامخا كقائد عسكري يتفقد حال صفوفه قبل الدخول في معركة ما. ضرب الأرض بعصاه ثلاث مرات، نقش عليها شكلا غريبا، فتح رجليه مثل مقاتل ساموراي، رفع العصا إلى السماء، همس لنفسه ببضعة كلمات وصرخ: 
أيتها السماء اللعينة، أنت الوحيدة المسؤولة عما يجري، بعدما أمطرت حياتنا غبنا وبؤسا...تأخذين منا شخصا عزيزا، أسألك بحق الدمع المقدس المرسوم على خدود الأشقياء أن تتوقفي...وإن لم تفعلي  ، فتبا لك...
وضع يديه على جهازه التناسلي، وجه فوهة المدفع إلى السماء، ألقى العصا أرضا، وأكمل نشيده الغريب: 
لن نرضخ لك...لن نرضخ لك...
تبعه الجميع يرددون:
لن نرضخ لك...لن نرضخ لك...
دقت ساعة الدفن، حمل "كريولة" الجثة مع صديقه "الكرفي" واتجها صوب قبر أعد لذلك. عادت الذكريات التي جمعت "كريولة" بحبيبته متسارعة إلى ذهنه كشريط سينمائي لشارلي شابلن. تذكر أول لقاء بينهما، كيف انتشلته من بين براثن الضياع والتيه والفراغ.
"كريولة" الطفل اليتيم نشأ بين حاويات القمامة والروضة والاقتيات على فضلات المجتمع، اعتاد العيش من أجل البحث عن سبب يقوي إيمانه بالانتحار. ارسلت له السماء هدية بعد أن أهملته طيلة حياته، دخلت الحبيبة حياته،  ملأتها سعادة وأنساً، أصبح لها أخيرا معنى. لم تكن تثقل كاهله بطلباتها، كانت أنثى مثالية لرجل وجد نفسه في الشارع يتيما من كل شيء، حتى من وطن. تلقفته أحضانها وضمته إليها، أعادت تشكيل عجينه من جديد، تقمصت دور بروميثيوس لتعيد خلقه من جديد. غادر تفكيره النرجسي نحو التضحية من أجل الآخر، تحول فجأة إلى إنسان ينكر ذاته من أجل أن تحظى حبيبته بفسحة فرح وسعادة. قاطعت ملوحة الدموع شريط ذكرياته، وسيطرت عليه الأسئلة:  كيف يستطيع مواصلة الرحلة وحيدا؟ هل سيعود الى رتابته القاتمة؟ هل يستطيع الخروج إلى الوجود مرة أخرى بعدما فقد الهدف الذي يعيش من أجله؟ 
كسر سفره بين  أسئلته الفلسفية المنعدمة  الأهمية صوت "الكرفي" يأمره بوضع الجثة أرضا. تقدم "الرومبو" ببطء حلزون، أمر الجميع بوضع الأكياس البلاستيكية على وضع الاستعداد، فتح كيسه وأفرغ علبة سيلسيون فيه، قلده الجمع كما يقلد المؤمنون إمامهم أو راهبهم أثناء الصلاة.
هذا "الرومبو" اهداء لروح الفقيدة...
انغمس الجميع في تبادل الأوكسيجين مع الكيس البلاستيكي، احمرت الوجوه و الأعين، فتحت الخياشيم، تلقفت ذرات الهواء الممزوجة بتذكرة الطيران السريالي بنهم. ما هي إلا لحظات حتى أمر الأب الروحي الجميع بالتوقف. صفع الكرفي، صرخ في وجهه و شتاء ريق تتطاير من فمه المكتظ بكل شيء إلا الأسنان:
آخر يامي جايبني لجنازة كلبة...ينعل دين الأرباب دمكم أجمعين...
سدد ركلة لجثة الكلبة داخل الكفن الأسود وانصرف. اندهش الجميع من غرابة المشهد. كانت بالنسبة للجميع  مجرد كلبة جرباء، بينما كان يعتبرها "كرويلة" النبراس الذي أخرجه من روتين حياته المتسخة القاتل.  "ليندا"لم تكن مجرد شيء في حياته، بل كانت كل شيء.. غادر الجميع الجنازة، وبقي السؤال يتنقل بين القبور ينتظر القيامة لعل أحدهم يفك شفرته: 
كيف عاش "كريولة" حياته بعد موت "ليندا"...؟

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق