انتفاضة الريف في وجه الحسن الثاني


في نهاية 1958،عرف الريف انتفاضة مسلحة استمرت عدة أشهر، وجرى سحقها بقوة من طرف الدولة. عودة لتسليط الضوء على حدث غير معروف في تاريخ المغرب. "سكان الشمال يعلمون مسبقا عنف ولي العهد، ويستحسن بهم ألا يعرفوا عنف الملك"، هكذا خاطب الملك سكان شمال المغرب، ومن خلالهم كافة الشعب كرد فعل على الحركات الشعبية التي شهدتها سنة 1984، وبلهجة قوية و (استفهامية) ذكر الملك رعاياه بأنه قادر على فعل أي شيء مقابل الاحتفاظ بالسلطة. 
ولإنعاش ذاكرتهم لا يتردد في استعمال إيحاء مختصر ولكن ذو دلالة على القمع الشديد الذي مارسه في حق نفس الجهات منذ 2 عاما مضت. هذا الاختيار البلاغي الخطير للملك يردنا، بوعي أو بدون وعي، إلى إحدى أهم حلقات تاريخ المغرب المعاصر و أقلها معرفة، ألا وهي الحراك الريفي "1959-1958" حراك دراماتيكي يحمل لوحده كل الضغوط و المتناقضات و الصراعات الإجتماعية و السياسية التي ميزت المغرب غداة الاستقلال. 
تحديات السلطة: 
بعد خروج فرنسا من المغرب تصارع عدة فاعلين من أجل السيطرة على السلطة. فإذا كان الفاعلان الرئيسيان هما بدون منازع الملك وحزب الاستقلال،فيجب ألا ننسى أيضا أعوان وشيوخ البوادي القواد المغاربة في الجيش الفرنسي و مختلف المجموعات المقاومة (جيش التحرير و الفدائيون...) وكذا الأحزاب الصغيرة كحزب الشورى و الاستقلال. كل الوسائل كانت متوفرة لقبول أو تهميش أو حتى إقصاء المنافسين (البروباغندا، الفساد، الحبس، القتل...) غير أن المتنافسين الكبيرين على السلطة بعلمان أن الاستحواذ على السلطة يكون بالضرورة عن طريق التحكم الفعلي بجهاز الدولة الموروث من فرنسا، لا سيما الإدارة والجيش. فالتحكم بالجيش سيكون من نصيب الملكية في حين ستكون الإدارة مكتسحة من قبل حزب الاستقلال، وهذه بداية امتحان طويل للقوة بين الطرفين. 
مدفوعة بنوع من الغريزة الدروينية، قررت الملكية أن تتوجه بسرعة إلى الهجوم، فمن جهة تستغل مل نقط ضعف حزب الاستقلال (الصراعات الداخلية، الانقسامات الإيديولوجية، غياب التجربة عند الأطر، المصالح الشخصية، الغياب شبه التام في الأوساط القروية....)، ومن جهة أخرى فهي تذكي مخاوف أولئك الذين يشكون في الادعاءات الاستعلائية السيادية لحزب الاستقلال، خاصة فرنسا وأعيان وشيوخ القرى و العسكريين و الأحزاب الصغيرة. 
وبتصرفها على هذا النحو، تفرض الملكية نفسها كالضامن الوحيد لسير الدولة و مصالح كل مجموعات على حدة من هذه الأطياف وقد نجحت في خلق تألف واسع بمباركة من فرنسا. 
تداعيات الاستقلال 
في سنة 1957 سيدخل المغرب في نوع من الأزمة الصامتة بسبب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تربت عن الاستقلال، وهذا الاستقرار السياسي لا يناسب أحدا و الكل يبحث عن كبش الفداء الذي سيلعب دوره حزب الاستقلال، في حين تعول الملكية على الاستفادة من الوضعية لتثبيت مكانتها. 
فبالإضافة إلى تكثيفها المعتاد على زعزعة الاستقرار، قررت الملكية خلق حزب كبير يضم/يمثل الفئات غير راضية على حزب الاستقلال، لاسيما الأعوان و الشيوخ القرويين، وهذه المهمة أوكلت للخديمين الشرعيين عبد الكريم الخطيب و المحجوبي أحرضان، حيث إن الثاني سيعبأ بسهولة أعوان وشيوخ القرى، وسيتمكن الثاني من إغراء أعضاء من مختلف مجموعات المقاومين. وهكذا رأى حزب الحركة الشعبية النور يوم 28 شتنبر 1957. وعلى الرغم من تمكن الحكومة التي هيمن عليها حزب الاستقلال من حل الحزب في أقل من شهر بعد ذلك. بقي "حزب سيدنا" يتصرف بحرية و ينجح حتى في تعبئة كثير من الناس،حيث ركز أتباعه نشاطهم في أربع مناطق وهي: الأطلس المتوسط، بني يزناسن، زمور، والريف... تمشي الأمور بوتيرة سريعة منذ ربيع 1958 لصالح الأزمة الداخلية التي أيقظت حزب الاستقلال، وضاعف أتباع الحركة الشعبية مجهوداتهم مساندين من قبل ولي العهد مولاي الحسن من أجل تسوية العدو و الجريح عن طريق الهجومات والعرقة و الاختطاف و القتل و التظاهرات و العرائض التي باتت تتكاثر ( مما كان يستعمل نفس الأساليب) وبات صوت الجرائد المعارضة للحزب أكثر نقدا، حيث انصبت النقاشات خصوصا على ظهير الحريات العامة الذي يحاول حزب الاستقلال إقباره. 
لم يقف التألف الذي شكلته الملكية عند هذا الحد، إذ رأي أن الوقت أصبح مناسبا لإطلاق تمردات في المناطق القروية، و بالتالي تيسير إعلان حالة الحرب و تدخل الجيش. من أجل ذلك كان ضروريا عقد مجموعة من الاجماعات ما بين غشت وشتنبر 1958 لبناء خطة أهمها جرت بشاطئ الرمال الذهبية غير بعيد عن الرباط وفاس. 
سيناريو محكم 
كانت الإستراتيجية المتبعة ذكية: إخراج جثث مجموعة من المقاومين الذين سقطوا في المعارك أو أولئك الذين سقطوا في المعارك أو أولئك الذين قتلوا خاصة عباس المساعدي منسق جيش التحرير في جهة الناظور، لتنظيم مأتم كبير باجدير في الريف يوم 2 أكتوبر 1958، ولم يكن اختيار هذه العناصر اعتباطيا، إذ إن التاريخ يتزامن مع الذكرى الثالثة لإنشاء جيش التحرير وتبني أجساد الشهداء يسمح بتبني تاريخهم وشرعيتهم، وهذا ينطبق على عباس المساعدي الذي قد يكون مقتولا من قبل حزب الاستقلال، أما اختيار المكان فعائد لكون الريف ليس فقط مكانا للمقاومة ولكن أيضا يشكل إحدى الجهات التي يعد فيها حضور حزب الاستقلال قليلا جدا وغير ذي شعبية. 
جرت الأمور كما هو متوقع، وتحول المأتم إلى تظاهرة سياسية ضد حزب الاستقلال شارك فيها ما بين 8 ألاف و10 ألاف شخص تضم المتعاطفين مع الحركة الشعبية وأعضاء من مختلف فروع جيش التحرير وحزب الشورى والاستقلال ووجهاء محليين ومواطنين عايين ساخطين على وضعيتهم، وأسفر تدخل أعوان السلطة عن مواجهات واعتقالات أدات إلى سفك دماء غير مبرر حين تدخل الجيش. 
أحرضان والخطيب ينسحبان كل من جهته، لكنهما اعتقلا غداة التظاهرة، و عذبا بطلب من حزب الاستقلال، بعد أن خططا لكل شيء تحت رعاية ولي العهد وبموافقة من الملك. ثلاثة "تمردات" خرجت في الأيام الموالية، قادها أقرباء قائدي الحركة الشعبية، حيث كانت واحدة بجهة والماس بمساندة الكولنويل بلميلودي، و الثانية من طرف موحند اوحدو كقائد قديم عزله حزب الإستقلال في تاهلة بالأطلس المتوسط، والقائد مسعود اكجوج قائد قديم معزول من طرف الاستقلال أيضا، ينسحب من مثلث الموت (أكنول، بوردي، تيزي نيسلي) غير بعيد عن تازة. 
كان في حوزة كل واحد منهما نحو مائة رجل وقليل من الأسلحة العصرية، وظهرت خلالها إضرابات عديدة أقل أهمية خاصة في الخميسات وبني يزناسن. في وقت أول تعامل القصر مع الوضعية بطرق تقليدية، حيث أرسل موفديه ليناقشوا محاسبة "الثوار" مقابل أمن حياتهم (الأمان)، ولكن سرعان ما تغير التكتيك، فأعلنت جهة الرباط وتازة مناطق عسكرية على التوالي في 19 أكتوبر و3 نونبر 1958 الشيء الذي يسمح من بين ما يسمح به باستبدال أعوان حزب الاستقلال بالعسكر. كان التكتيك ناجحا، قبل أن يصطدم حزب الملك بحراك مدو من قلب الريف، الحدث الذي سيقلب كل مخططاته. 
انقلب السحر على الساحر 
بعد حفل دفن جثث شهداء جيش التحرير بدأت التظاهرات في عدة جهات من مداشر الريف، خاصة في كزناية وبني ورياغن. فبالرغم من أن مكاتب حزب الاستقلال أحرقت وطرد أعوان السلطة وعرقلت المواصلات اللاسكية وانتشرت أعمال عنف، ونظمت إضرابات عامة ي بعض مدن الشمال، فإنهم اختاروا التصرف وفق طرق تقليدية، حيث قاطعوا الأسواق وهجروا المدن نحو الجبال، ورفضوا دفع الضرائب، وهذا بدل على قطع الصلة بالحكومة المركزية. 
لم يكن واضحا أن الرباط قد أخت الأمور بجدية،ففي الوقت الذي غرق فين حزب الاستقلال في الأزمة، ظلت الملكية منشغلة بوضع يدها على جهة و الماس وتازة، ولم يحسوا بخطورة الوضع إلا في نهاية الشهر في 27 أكتوبر كان وزير الدفاع احمد اليازدي يتمتع بسلطات عسكرية ومدنية في الجهة، حيث حاول دون أن ينجح في إعادة النظام، لكنه سرعان ما همس، حيث دخل محمد الخامس بنفسه على الخط. 
منذ 11 نونبر، استقبل محمد الخامس مندوبين ووعدهم باعبار مطالبهم، وعين لجنة تحقيق بهذا الصدد، وبعد ذلك أرسل شخصيات مخزنية من الريف لتقدير الوضع خاصة الجنرال مزيان و الكومندو المدبوح، غير أن ذلك لم يمنع ساكنة الريف الاستمرار في إرسال عرائض إلى القصر على طول شهر نونبر، كانت أغلبها تتلخص في مطالب اجتماعية و اقتصادية ( الخفض من الضرائب، وحق استغلال الغابة، وإمساك النخبة المحلية) لكن بعضها لم يكن يخلو من مطالب سياسية (حل حزب الاستقلال، ترحيل الجيوش الأجنبية، الاندماج السوسيوسياسي، الحكم الذاتي لعمالات الشمال، عودة الخطابي، التعريب، تطبيق الشريعة ، الانتخابات...) كانت الملكية اتذاك شديدة الاستفادة من الوضعية لتقوية قبضتها، فحول الملك حفلة عيد العرش من مراكش إلى تطوان، حيث سيسمح ذلك بإصال 13 ألف رجل أي 50 في المائة من الجيش بكل سرية تحت ذريعة تنظيم استعراض عسكري. أعلنت عمالة الحسيمة منطقة عسكرية في 26 نونبر، وفي 27 منه صدر ظهير الحريات، كما يسمى، والذي يهدف إلى تقليص الحريات،وتقنين إحصاء المنافسين. 
ظل الخطابي 
تزداد الأمور سوءا على طول شهر دجنبر، على الرغم من أن الجيش قد حاصر المنطقة. حزب الإستقلال في تهاو ويعجز عن التصرف، وحدها الملكية مدعومة بفرنسا هي من يتحكم، وتحاول بدون جدوى أن تعيد الهدوء، في نفس الوقت، ظهرت حركة مسلحة ومنظمة، وبدأ صيتها ينتشر في بني ورياغل وكزناية، وعلى رأسها شاب يخرج من القرويين وهو محمد سالم امزيان، هذه الشخصية لوحدها تعكس كل الخيبات التي تركها الاستقلال، كان قد انحدر من وسط ريفي مرموق لكنه مهمش في الرباط، كان عضو في جيش التحرير وحزب الشورى والستقلال الذي يتعرض للتصفية من قبل القصر وحزب الاستقلال، وكان ضحية لتطاولات السلطات، حيث قضى سنتين خلف القضبان دون تهمة، يلهمه كثيرا الأمير الخطابي وناصر ويؤمن جدا بأفكارهما وتطلعاتهما. فرنسا والملكية وحزب الاستقلال وحتى اسبانيا أحسوا بتخوف، ولا يمكنهم السكوت عن ظهور فاعل جديد على الساحة قد يخل بالتوازنات المحلية والجهوية على هشاشتها، وعليه اتفقوا على المرور إلى العمل كل منهم مدفوعا بأسبابه الخاصة. في 26 دجنبر تقرر القيام بحركة (عملية عسكرية تأديبية) نحو الريف، وهكذا قاد الأمير مولاي الحسن العمليات في تطوان، وعلى الأرض كان الكومندار اوفقير هو من يقود العمليات الخطيرة وكانت 4/5 الجيش أي ما يعادل 20 ألف جندي يعملون في الجهة. ولإعطاء الشرعية للعملية، قام محمد الخامس بإلقاء خطاب يوم 5 يناير 1959، حيث أدان فيه المتمردين وأعطاهم أجل 48 ساعة ليسلموا أنفسهم، لكن في الواقع كانت العمليات قد بدأت من 9 يناير. 
الحركة الأخيرة 
على الرغم من كونه غير مسلح، ولم يتمتع بأي دعم خارجي استطاع رجال امزيان البالغ عددهم 2000 إلى 3000 (اغلبهم من جيش التحرير وجيش الخطابي وفرق اسبانية) إلحاق عدد من الخسائر بالجيش الملكي، حيث قتل ما يقارب ألف جندي نظامي، وحتى الأمير ولي العهد كاد أن يكون منهم عندما تم قصف طائرته من طرف رماة الثوار كانت المعارك خاصة في منطقتي بني ورياغل وكزناية، حيث استعمل الجيش النظامي الطائرات والمدافع الفرنسية لتحقيق الامتياز، ولم يمر سوى أسبوعين حتى انكسرت شوكة الثوار وقبض على بعض كبارهم في حين فر أخرون. أمزيان طلب اللجوء إلى اسبانيا قبل أن يلتحق بمصر وبعدها العراق، أما رجال اوفقير و ولي العهد فقد أبانوا عن قسوة كبيرة مع الساكنة البريئة: اعتقالات عشوائية، تعذيب وقتل، وكمثال: بلدة بني حذيفة أحد معاقل الحراك دمرت عن أخرها وقتل فيها 400 نسمة التي تسكنها، وفي المجموع ألاف من الضحايا، وتبعات نفسية واجتماعية واقتصادية مهمة. 
بعد عدة أشهر من عمليات التطهير قرر محمد الخامس أن يقوم بدورة في الريف تعبر عن انتصاره، وذلك في يونيو 1959 لبسط سلطته وانتهاء الحركة الأخيرة، وقد نجح في أشهر قليلة في فرض نفسه كسيد الدولة، معبئا قوات الجيش و الإدارة وكامل المعارضة نحو سلطة مطلقة، مدعوما من فرنسا ووجهاء القرى وضباط الجيش ومد وجزر حزب الاستقلال.كان الريف بدون شك أولى ضحايا أكبر ألاعيب السلطة للتحكم في الدولة.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق