رشدي الفوال يكتب: قصة قصيرة الشقراء


ضوء الشمس الذهبي يميل بدلال فيداعب تلك الغدران الصغيرة التي تكونت هنا وهناك لتنعكس ألوان الطيف وتتعانق في الهواء، وسعف النخيل يظلل الأفق من بعيد كسحاب أخضر .
صرخة أيقظته من عالم التأمل الذي كان يمارسه ولم يشأ أن يستيقظ منها لكن يد صغيرة تقبض ركبتيه وصوت رقيق جميل ينادي:
"بابا كيف هو الفستان؟ لاق بي أم جمالي الذي طغى؟"
ضحكت ضحكة بصوت عال فأردفت 
"..اشترتها لي أمي قبل رحيلها .."
فاختفت البسمة من على وجهها الملائكي.
 بمجرد رؤيتي لها، انتقلت بأفكاري إلى عالمي الصغير الذي أجد فيه ذكريات لفتاة  كانت ترتدي فستانا أحمر اللون، قصيرا، يظهر أكثر مما يخفي، عيناها الزرقاويتين وشعرها الحريري اللامع.. ابنتي  تشبه أمها كثيرا وكل مرة أنظر إليها أتذكر "كارلا" التي كانت فاتنة الجمال.
أعجبت بها، بل اغرمت بجمالها في أول مرة رأيتها عند محل مجوهرات أبيها في إسبانيا، في اليوم الذي كنت أبحث فيه  عن مكان أبيت فيه، لجهلي بالمنطقة بل البلد ككل بادرت بالسؤال: 
"Hola . Qiuero preguntarte si no hay problema "
" Si dime"
فدلتني عن مكان للإقامة وأناس أستعين بهم إن كنت أبحث عن منازل للكراء، فأخبرتها أني بحاجة إلى أن أضع أغراضي وأستريح أولا، فأخبرتها باسم الفندق  الذي حجزت فيه هاتفيا، فلم تكتفي بدلي بل رافقتني إليه، طوال الطريق  الحديث يمد الآخر حتى وصلنا للمفاجأة كانت  عربية الأب والأم -الأم متوفاة رحمها الله- لكن ولدت باسبانيا ما يدل أن العربية قليلة عندها وتلقط بعض الكلمات من أبيها وعائلتها التي تتواصل معهم بالهاتف فقط. لم تزر بلاد أبويها يوما لكنها تتوق لذلك..
وصلنا فغادرت من فورها و تركتني عند باب الفندق.. وكل ما يجول ببالي: جمالها. 
                   
في اليوم الثاني التقينا صدفة وكانت من بين أجمل الصدف في حياتي، بحيث أنني لم أكن أتوقع لقائها بعد تلك المرة لكن القدر شاء.. بعد ابتسامات الحرج والمفاجأة ..  
"قد يكون لحظورك وقع خاص على طعم القهوة، ما رأيك؟"
 "فلنشرب فنجانا ونرى"
 ضحك كلانا لأنها قالتها بشكل غريب وتتآتى الأحرف كطفلة في سنها الثالث، أعشق نطقها لحروف العلة. 
قضينا اليوم بطوله معا ولم أملل حديثها لحظة؛ طلبت رقم هاتفها ومن يومها ونحن نعيم في حب بعضنا بغظ النظر عن ملابسها  وتصرفاتها بكونها أوربية متحررة، وأنا رجل شرقي الذي تسري الغيرة في دمه والشرف مبدأ في حياتي.. لكن الحب أعماني وجمالها الذي سحرني، والكلام المعسول الذي تذيب فيا كل ذرة المكان، حاولت تقبل فكرة هذه العلاقة حيث كانت لكن  عائلتي لن تحاول سترفض بدون تفكير. 
وبالفعل ما توقعته هو ما كان فقد رفضوا أن تدخل أوربية عائلتنا لمحافظة، بمنطلق التحرر الذي زرعته  كارلا في شخصيتي، عارضت عائلتي فأنا من سيتزوجها ويعيش معها الحلوة والمرة.. ندمت على قراري هذا لكن بعد أن فات الأوان.. تعرفت  على أبيها وكان في منتهى السعادة لان ابنته معي وبين أيدي عربي مثلها لأنه كان يتمنى هذا.
كانت علاقة مدتهاأربعة شهور من ثم عقدنا عقد القران كنا في غاية السعادة.
مرت شهور فإذا بها حامل، لن اتمكن من وصف سعادتي تلك الشهور وأنا أسمع دقات قلب الجنين في جلسة الطبيب وكانت بنت، تقريبا  كل يوم أنام متكأ على بطنها لأتحسس ركلات ابنتي بيديها الصغيرتين ببطن حبيبتي.. الحقيقة يد أم قدم  لا أعرف! المهم أشعر بأبنتي داخلها.
سميناها قبل أن تولد ب " جوري "  ومعناه نوع من الورود الفخم، لأننا اتفقنا أن تسمى باسم عربي.. وكذلك قررنا من بعد ولادتها أن نستقر في المغرب حيث كلانا من هناك ونفس المدينة أيضا "تطوان"، كم افتقدت لدفئها وجمال سواريها و شوارعها.
ها نحن في المغرب وأول مرة تطأ قدمها أصل أبويها.. مرت سنين وأدركت غلطي بالتزوج من كارلا، فتصرقاتها الطائشة لا زالت، فكل مرة تترك جوري الصغيرة وتخرج تتسكع مع صديقاتها في ضواحي المدينة، والخيانة التي لم أفكر بها للحظة أنا كرجل شرقي!  فجمالها الأخاد ورشاقتها سحرت رجال المدينة و بقدر ما كانوا يتدللون لها نسيت لوهلة انها متزوجة وبدأت تواعدهم  تحت مبرر:
" يجب انا اعيش حياتي فأنا مازلت شابة في مقتبل العمر؛ أنا لن أدفن زهرة شبابي تحت امرتك"
ولا كأنها لديها  مسؤولية زوج ورضيعة يجب أن ترعاها  فلا زالت "كارلا" التي تعيش لنفسها ولا شيء عليها. 
                 
قررت ذات  يوم أن تتركنا وتعود لإسبانيا ، فما إن أخبرتني بقرارها  اسرعت لإجراءات الطلاق.. أما جوري فأنا الوصي عليها في الأصل ما كنت أرضى أن تبتعد عني صغيرتي ولو لم تحكم المحكمة بذلك. 
تزورنا مرة في السنة أو تبعث هدايا لابنتها، أظن أنها تفعل ذلك كأنه واجب و ليس من دافع الأمومة. 

شعر فجأة بأصابع صغيرة تهز وجهه : 
" يوووه... بابا أين تسرح بخيالك  أجبني كيف يبدو الفستان لأذهب لعيد الميلاد .. "

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق