ميريام الريحاوي تكتب: يا وطني


صديقتي..
لطالما كان الفراق مر المذاق وبالرغم من هذا نترجعه دائما مرغمين، والكثير من الأحيان نفعلها قصدا بدافع الفضول وكره الروتين، لتغيير الحاضر الممل
أخبريني عن حيانك الآن، هل هذا المكان الذي يذهب إليه كل من احببت مخلفينني ورائهم جميل لغاية تركي وحيدة للغاية هنا، هل هناك اصدقاء أفضل مني، يبتسمون دائما في وجهكِ ويضحكون، يعرفون ما يبكيكِ وما يثير إنتباهكِ، هل من المعقول انهم موهوبون بإبقائك مشغولة بأخبارهم وليسوا مملين مثلي، ليسوا كئيبين مثلي، ليسوا بقايا حرب مثلي
كنتِ أنتِ تلك المشكاة التي جعلتني أدرك أنني لست في نهاية الطريق وأن هناك تكملة وأحلام وأهداف وحياة اجمل تنتظرني، كنت اليد التي ربتت على كتف خيبتي في أحلك أوقاتي
أنا لا الومكِ بل أحاول فقط أن أجعلك تتوغلين إلى روحي لتدركي مدى بشاعة البعد والوحدة من دونكِ
دعيني أخبرك أولا، كالعادة يا صديقتي، قطعة من روحي في بلاد أخرى، سرقتكِ تلك اللحظات مني وأصبحت وحيدة كعادتي، أنتِ الآن على بعد ألف غصة ودمعة مني
لا تقلقي فأنا على موعد دائم مع الفراق والوداع، ولكن قبل أن يختفي كل ما كان بيننا بحكم البعد، أخبريني شيئا سيدوم معي إلى آخر لحظة 
أدخلي إلى روحي كلمة وحيدة فقط ولا تهديني فقط صورتك الادأخيرة وأنت تديرين ظهرك في المطار الذي يلتهم من أحببت وعيناكِ ملئها الدمع
خذيني إليك فقط بحروف بسيطة، كما تعلمين أنني مشروع كاتبة وأدرك حقا قيمة الحرف
تتغلغل ضحكاتك إلى أعماق روحي التي تحولت إلى صندوق إنفجر بعد مغادرتكِ بعد أن تكررت به مشاهدنا ولكثرة إستحضاري لها يوميا فأضحى أشلاء ممزقة
روحي الآن بلا قيود ولا حدود، صديقني
أنتِ من تعلم حقا كيف أشعر، وكيف أنني وحظي العاثر خسرت الكثير ولا زلت على موعد مع خسارات أخرى أن كان الموضوع يتعلق بالبشر
ولكني إكتفيت، سأجمع ما تبقى لي من ذكريات مع أشخاصي المتبقين وأقيم بهم حياة جديدة وذكريات مديدة، حقا لا أعلم ماذا سأفعل هنا وأنتِ لستِ معي
حقا أريدكِ أن تري ما يحصل بداخلي حين اشعر بالحنين إليكِ:
"في شرفة المنزل، وشجرة المانجو الصامدة رغم حرارة الصيف هنا، تبدو بضعا من أوراقها ذابلة ولكن الباقي أخضر وصامد بشكل لا منطقي، تقف تلك الفتاة مرتدية فستان نومها وروب أبيض طويل، شعرها بني اللون قد إنطلق بعد أن أهملته مؤخرا فأصبح غجريا بإمتياز، حافية القديمن على الأرض الرخامية البيضاء الباردة لتلك الشرفة رغم أن الحائط من قرميد أحمر غامق اللون ممزوج بخشب أحمر اللون أيضا ومصنوع بعناية ليبدو وكأنه حائط لكوخ في منتصف غابة، أنها ساعات الصباح الأولى بعد أن قررت الشمس خروجها للعالم رغم قسوته، يبدو الجو ساكنا و الهدوء طغى على الأجواء، صوت الشحرور وبضع من العصافير والتي لتوها قد إستيقظت أخذ يزيح من قلبها مع كل تنهيدة تستنشق بها نسائم الصباح الملئى بالدواء لكل هم، أنها الشافية
تنظر بعناية لكل شيء حولها، تمد يدها برفق إلى الشجرة وتلمس وريقاتها وتمسك الغبار من عليها لتسقط قطرة ندى من ورقة كانت فوقها فتغسل الورقة وتتبارك بلمس يد تلك الفتاة التي تبدو كأنها الهة قد فقدت ذاكرتها وتلبست جسد بشري إلاّ أن تستعيد ذكرياتها واحدة تلو الاخرى
يبدو كل شيء منطقي في هذا الصباح، والتفاؤل يغمر روحها، تقرر أن الأرض تحتوي على الجيد والسيء وبالإمكان غض النظر عن السيء والإستمتاع بالجيد
عليها تحقيق أهدافها، وقفت لتفخر بنفسها على إنجاز العديد من الأشياء، تحقيق أحلامها واحدا تلو الآخر، ومع الأسف كلما تحقق حلم يجب التضحية بشيء أو شخص أحبته
هذه هي سنة الحياة، تتوقف للحظة لتخبر نفسها وتواسيها أنها أقوى من اي حزن، وداع أو وحدة، أنها لوحدها ولوحدها الآن
وأن من سيقف بجانبها هي فقط من الآن فصاعدا، تبدو الأصوات الأوبرالية في مخيلتها داعما كبيرا لها، ومع دخول البيانو والتشيلو يكتمل المشهد، تغمض عينيها لتقف في مسرح حياتها، الجمهور هي كل من أحبت، أمامها مايكرفون يصل لفمها مباشرة، تضع يديها حول ذراعيها لتحضن نفسها خشية الموقف الذي وضعت فيه، عليها أن تلقي بكلمة واحدة فقط لتصل للجميع، على تلك الكلمة التوغل إخلى أرواحهم، عقولهم وقلوبهم، وعلى الكل فهمها، وإن نطقتها سيرجع الجميع وسيحبها الجميع، ولن تبقى وحيدة بعد ذلك، تنظر في أعينهم وهم في كراسيهم كالتماثيل فعلا، لا مشاعر ولا تعابير ولا صوت، فقط عيونهم تلك المعلقة عليها، تلك الكلمة هي مفتاح السر لإعادة إحيائهم جميعا، ولكن المصيبة كيف ستعيش مع الجميع مرة واحدة، هي تحبهم أجمعين، ولن تتخلى عن أي أحد رغم خذلانهم لها إلاّ أنها أرادت أن تنطق بكلمة واحدة فقط، وروح واحدة فقط ستفهمها، وقلب واحد فقط سيعود للحياة،وعقل واحد فقط سيفهما.. تبدو متوترة جدا، تنظر للأسفل وتمر أماها كل الذكريات لكل أحد منهم وتحاول الفرار من تلك المشاعر السيئة التي خلفوها في روحها، تنزل يديها إلى جانبيها، ترفع رأسها، تنظر بكل ثقة في أعينهم، تضع اليد الأولى على المايكرفون والأخرى تمسك بها قلبها وتنطق.. 
يا وطني!"

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق