رنيم مجلوبة تكتب: فنجان من القهوة ومقبرة


لا لن أقول الوداع.. 
أتذكرْ حين افترقنا المرةِ الماضية؟
كانت كلماتكَ متلعثمةً كجسدكَ كوجهك كزخات العرقِ الممتدة على خدكَ..
لا أنسى المرة الأولى التي قابلتك بها 
حيثُ كنتَ في مقهى آخر الحي 
صغيرٌ دافئ ومريح
كان يبعد عن منزلي بضع خطوات
رائحة القهوة تعبق المكانَ كله
وصوت الموسيقا الكلاسيكية الهادئة تنتشرُ في زواياه 
دخلتُ مع صديقتي المفضلة وجلسنا على الطاولة المقابلة
في يدكَ الأولى تمسك فنجان قهوة ساخن
وفي الثانية جريدة الصباح 
تقرأ بزاوية عين وترمقني نظرات بالثانية 
كنتَ وسيماً حينها 
شعركَ الأسود وعيناك البنيتين الكبيرتين
أكتافك العريضة المحتلة أطراف الكرسي
عروق يديكَ البارزة
كلها كانت تسحرني منذ اللحظة الأولى 
معطفكَ الأسود كان يرقد جانبك كجثةَ هامدة
وأنا كنت أرتجف من شدة البرد
وددتُ لو آخذه وأدبُ الروح في خيوطه أو أن أشتم رائحة العطر التي تفوح منه.
انتفضتَ فجأةً من كُرسيك
وكأن شبحٌ مخيف قفز إلى ذاكرتك 
تقدمتَ خطوتين نحونا ثم تراجعتْ!
توقفتَ ووقف معك قلبي 
كان نبضي يقفزُ من مكانه 
أتيتَ نحوي وقلت لي يا أنسة أتسمحين لي بالكتاب الذي بيدكِ؟
نظرتُ مندهشة ومبتسمةً لغرابة الموقف 
أقسمُ أن صوتك قد زلزل كياني
وبحة صوتك قد بعثرت جميع الحروف التي أريدُ النطق بها 
كنتُ أعلم أنها حجةً ليكون الحديثَ الأول بيننا 
استرقتُ النظرَ إلى عينيكَ أولاً ثم قلتُ تفضل.. 
قرأتَ الاسم وقلتَ أظنُ أنكِ مهتمةٌ بهذه الأنواع من الكتب 
كانَ كتابي عنوانهُ "الجريمةُ والعقاب"
أظن أن الكاتب هو الأكثر شهرة هذه الأيام وأن كلماته قد لامست الكثير من الشبان
فمعظمُ الذين أعرفهم يختفون وراءَ كلمات ذاك الكاتب (دوستويفسكي) 
أجبتكَ بالوماء نعم.. 
كانتْ صديقتي تشاهدُ الموقف وكأنها تشاهد فيلماً سينمائياً مثير 
لم تفوت أيُّ كلمة دارت بيننا أو أي نظرة خفية اختلسناها
تقدمتَ إلي أكثر ووضعت الكتاب في يدي ثم قلتَ أظن أننا سنلتقي في عنوانِ كتابٍ آخر..                       
كنتُ أعلمُ أنني شغلتُ فكركَ بعد الرحيل 
لا أعلم لمَ لكني كنتُ على صواب..
بعدَ عدةِ أيامٍ كنتُ وحدي في ذات المقهى 
جلستُ كالمعتاد وطلبتُ كوباً من الشاي 
كان يطلُّ على حديقةٍ جميلة
وبينما كنتُ شاردة الذهن قبعَ جسدكَ الضخم أمامي 
خلتُ أني أرى طيفاً أو أنني أحلم بما يسمى أحلام اليقظة
لكن عندما نطقتَ صباح الخير أنستي تيقنتُ أنك هو 
نعم هو ذاته الذي أربكَ دقات قلبي ونظرات عيوني هو ذاته صاحب الجسد الطويل ذو اللحية السوداء الفاتنة والشامة المتربعةُ على خده الأيمن 
هو ذات الشاب الذي ودعني على أمل لقاءٍ آخر يجمعنا..!
جلستَ في الكرسي المجاور
قبالةَ عيناي تماماً
كم كنتُ خجلةً حينها
أطراف أصابعي ترتجف
وشفتاي لا تجيدُ الكلام أبداً
وكأنني طفلٌ صغير يتأتأ بين نطق الحرف والآخر.. 
رغم البرد القارص الذي كان 
ورياح الشتاء التي تنخر عظامي 
كنت أشعرُ بأن الحرارة تحرقُ جسدي والعرقَ يبلل يداي.. 
ابتسمتَ ابتسامة ماكرة وهمستَ ما اسمكِ؟
آهٍ يا ويلي ليس هو الجميل فقط وكذلك صوتهِ وأنفاسهِ 
وتلك الابتسامةُ أيضاً..
أجبتُ حسناء
وأنت؟
قلتَ أميرُ الحسناء
أذكر أن جسدي كانَ مشلول مبتول الأطراف 
كعجوز يتكأ على حافة طاولة
لا يستطيع سوى النظر بعينيه
هكذا كنتُ أنا
ضحكتَ بصوتٍ عالٍ 
ثم قلتَ اسمي وليد.. 
طلبتَ من النادل فنجان من القهوة بدون سكر..
أظن أنها ليست بحاجة إلى السكر بعد أن ترشفها شفتيك..!
بدأتَ تحاورني 
ألم أقل لكِ أننا سنلتقي؟
لكن أين الكتاب؟
بحثتُ في عيني عن إجابة
ثم قلتُ لم آتِ اليوم لأقرأ 
أتيتُ لأحتسي الشاي وأرى كيف يلعب الأطفال في الحديقةِ خارجاً
رائع.. إذاً تحبين الأطفال كثيراً؟
أومأتُ بنعم 
قلتَ لكنكِ قليلة الكلام
(وأنتَ ثرثار أبله) قلتها في نفسي فقط.. 
نعم لا أحبُ الكلام الكثير 
لربما اعتدت الوحدة في عالمي الخاص
كم تبلغينَ من العمر؟
كنت حائرة الإجابة ما بين العشرون والسبعون عام 
جسدي صغيرٌ نعم وملامحي لا تبوح بسنين العمر 
لكن ما بداخلي يزيد عن عمر الشيخ العجوز الذي شابَ شعره من مشتقات الحياة
من هلاكها وتعبها المرهق.. 
أجبتُ عشرون عام بعد صمت طويل
إذاً  أكبرك بستةِ أعوام
لا يا سيدي بل أنا من أكبرك بسنين من الشقاء أو ربما دهر من اليأس والخيبة..
ارتشفتُ الرشفة الأخيرة من كوبي وقلتُ أطال الله في عمركَ..
ثم انتفضتُ هاربة أو لنقل خائفة من الأسئلة القادمة 
كنتُ على وشك النطق بكلمة الوداع لكنكَ قاطعتني قائلاً سيقذفُ القدر بصدفةٍ تجمع أجسادنا وأفكارنا مرةً أُخرى 
مشيت مسرعةً قائلة: لربما..                       
 إلتقينا مراتٍ عديدة في المقهى والحديقة المقابلة
أذكر ذات مرة كنا نجلس على مقعدٍ خشبي نتحدث
وقع طفلٌ صغير أمامنا
ركضتَ كالفهد المهاجم 
حملته بين ذراعيك ونفضتَ الغبار عنه 
كنتَ كالأب الذي يخشى على ولده من خدشٍ صغير في إصبعه 
سألتكَ حينها لمَ لا تفكر في الزواج؟
جُلتَ في عينيك أرجاء الحديقة 
وكأنني أطرحُ قضيةً خطيرة للغاية
قلتَ إنني يا حسناء.. 
ثم حلّ الصمت عليك 
أنتَ ماذا؟
لم تجب ولم تعير الموضوع أي نوع من الاهتمام
قلتَ لا أرغبُ في ذلك الآن..
بدأت الغيوم تتحرك في خفة
والقطرات الهاطلة أنبأت بالغيث الغزير
حدقتُ في عيني إلى السماء بفرح
انظرْ بدأتْ تمطر
أنا كنتُ كطائر يتراقص في الهواء 
كزهرة تنعشها قطرة ماء
أتعلمُ أني أعشقُ رائحة التراب هكذا
لونهُ وشكل الأشجار المتمايلة
والورود المبللة 
كانت الحديقة لوحة خلابةُ يودُ لو يرسمها فنان
لكن لم أكن أعلمُ أن الغيوم كانت تبكي على حالكَ حينها
وأن الأشجار راكعةً ترجو الله على ذاك التراب الطاهر..
مشينا لساعات وساعات
ضحكنا على بعض المارة في الشارع
ذاك الذي يضع كتاباً على رأسه 
وتلك التي تضع حقيبة
ورغم ذلك لم تكن عيوني سوى عليك 
شعركَ جميلٌ للغاية 
ولحيتك المبللة تهددني بالضياع
أعشق ذاك المعطف الأسود الذي يستحوذ على جسدك 
رائحته ونبض الحياة التي تبثه فيه..
سألتني ذات مرة إن كنتُ أخافُ الموت
لم أجب 
فأنا لا تروق لي هذه الأفكار أبداً
سألتني ذات مرة إن كنتُ أخافُ الموت
لم أجب 
فأنا لا تروق لي هذه الأفكار أبداً
سألتني مرةً أُخرى 
يا وليد الموت شيء محتم ومقدر علينا
لكني لا أحبُ الحديث عنه أبداً
قلتَ لربما الموت شيء جميل 
أجملُ من حياةٍ تفرض علينا أحكامها بظلم
تكبل راحتنا وأمانينا
وتحكم علينا بالفشل دائماً..
لا يا عزيزي فالحياة معركة ضارية
إما أن تَهزم أو تُهزم
طأطأتَ رأسك بحزن 
أنا مهزوم منذ زمنٍ يا حسناء
قدري المشؤوم سلب مني القوة والعزيمة
لم أدركُ ما كانت تعنيه كلماتك يا وليد 
ولم أرد الجدال في ذل..! 
رسمتكَ في مخيلتي كثيراً
ونحتُّ ملامح وجهكَ في قلبي
زوايا غرفتي
موسيقاي
وأقلامي
حتى المرايا
جميعها تهزوا بكَ
بكَ أنتَ فقط.. 
المرة الأولى التي لامستَ بها يداي تاريخٌ لا يُنسى
كالولادة.. النجاح.. وتحقيق الأحلام
جسدي برمته لا يدرك الزمان
عيوني لا ترى المكان 
عروق يدي تجري ببطء 
وقلبي يقيم عرساً..
قلتَ أحبكِ أميرتي 
وأهوى كل الأشياء التي جمعتني بكِ
المقهى.. الكتاب وبريق عينيكِ
لونهما والسحر الذي دفعني إليكِ
أين أنا؟
في مدينة الأحلام أم في الجنة؟
شفتاي لا تجيدُ الكلام
وعقلي ساكن كالصنم
المكان يدور من حولي 
يدور ويدور كدوامةٍ في بحر يغرقني 
ينزل بي إلى الأعماق
وأنا أيضاً أحبكَ يا وليد.. 
مرت الأيام وكأنها حلم سريع 
التصقتَ بي كظلي الذي لا يفارقني 
كروحي التي تسكن داخلي
أنتَ نبض قلبي وهناء عيشي.. 
كنتُ ألاحظ تعبك المتكرر
وانسلال جسدكَ الضخم
إرتفاع درجات حرارتك المفاجئة 
وغيابك المتكرر عني.. 

بدأتُ أقلق عليكَ يا وليد
لمَ لا ترى طبيب يشخصُ حالتكَ
حبيبتي أنا قوي لا تخافي علي
لربما رشحٌ خفيف يزورني
لم أقتنع بإجابتك الباردة تلك..

بدأتُ أشتاقُ إليك أيها المجنون
أتريدُ أن تثير غضبي؟
أو أن أفتك جسدك بأصابعي؟
آهٍ ليتك تفعلين ذلك
ليتك تفتكين كل عظمةٍ ,تجرين بي كالدم
لعشتُ أكثر ربما
لم أفهم يا وليد
وأنا أيضاً اشتقت إليكِ يا حسناء 
لعبق أنفاسكِ ويديكِ الباردتين 
هكذا كنتَ تبعد شبهات الإجابة عنك
دائماً تربكني.. تضيعني..

قلتَ أنكَ ستسافرُ للقرية المجاورة للعمل
كم ستغيب؟
بضعة أشهر لا اعلم
ماذا؟!
أشهر وأنا لا أطيق الإبتعاد عنك لثوان؟
سأعود لا تخافي أريدكِ أن تشتاقي إلي 
ليتك لم ترحل حينها
ليتني قضيتُ تلك الأشهر بجواركَ..

مررتُ صدفةً جوار منزلكَ 
سمعت النحيب يملأ المكان
وأصوات الصراخ تدوي عالياً
سألتُ طفلاً صغير يقف عند الباب
ماذا يجري يا صغيري
ما كل هذه الأصوات المرعبة؟
قال والدموع تنهمر كالشلال 
إنه وليد
وليد قد فارق الحياة بعد معاناته مع مرض السرطان في رأسه
ماذا؟
أنت تكذب.. طفل أحمق 
دخلتُ إلى منزلك كالمجنونة
كإعصار هائج يود انتشال المكان
رأيتكَ أمامي 
أمام قلبي وعيوني 
جمدتُ في المكان بلا حراك
جسدي مشلول حقاً
قدماي لا تحملني
انهرت باكيةً
لمَ أنت 
لمَ  لم تخبرني بذلك؟
كيف للموت أن يأخذك  مني؟
أيُّ قدرعادل يقبل بهذا الحكم
أنا أحق باحتوائك من التراب
أحقُ باحتضانِ روحك من السماء
سحقاً لذاك المرض الذي سرقكَ مني
لتلك الحقنات التي قتلك
وللسرطان الذي لم أعلم أنه مرض حقير لعين
جلاد ينفذ حكم الإعدام على جسدٍ بريء بلا رحمة
الآن أدركتُ لمَ كنتَ تمنعني من الحديث عن الفقدان
عن النطق بكلمة الوداع
لا لن أقول الوداع فأنت  
مازلتَ حيٌّ في أحشائي في هوائي وروحي يا وليد..

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق