عبير الشيخ تكتب: خثرة


بعدَ الصرخةِ الألف..
مازلتُ هناك، مركونةً في يسارِ جسده المستلقي على رصيفٍ في أحدِ الأحياء المنسية، المكان مظلم أعلم!
ولك لم أشعر أنّي خائفة بيوم!
منذ أولِ خفقةِ  قلبٍ متراخية سًكنت فؤاده كنت هناك، أسند نبْضه ببعضي.. وفي غالب الأحيان أسْنده بكلّي،
أسيرُ في سرداب روحه، نبضَه يتقلص، عضَلاته ترتخي، عيونَه تجحظ، كل ذلك في ثوانِ.
غريب؟!
هل يَحتضر! 
أم صُبَّ المزيدَ من الوجع في أوردته؟
مهلاً!
صوت بعيد يتمتم بشيءٍ ما.. 
لكنّه  غير مفهوم. 
يجيب الصدى بِلا!
لماذَا لا؟ 
ماذا دهاكَ يا صدى! 
هل من أحدٍ هنا؟
سيولٌ من الدم تعترض مسيرتي الظلماء تلك، وأكوامٌ من الصرخات المنسية ذات الصوت المكتوم! تبرز عند كلّ منعطفٍ داكنٍ في سردابٍ روحه.
من أين جاء ذاكَ السيل المنهمر ؟
يا إلهي؛ هل يعقل!؟
شظية حقد على شاكلةٍ صاروخ ضخم انغرست في أسفل بطنه، مزقت جلداً اقتحمت لحماً، واستوطنت بلئم ثناياه، فاندفعً الدم وسال.
الإصابة الألف، تلاها صراخٌ يسكن بطياته وجعُ أمة برمتها 
فهل من منقذ!
ارتمى أرضاً، فاض دمعاً، ازداد وجعاً
حضنت قلبه بحنان، كانَ يتصدع من الداخل، صوت الأنين يصدر من أعمقِ نقطةٍ بداخله، سَكبت بقلبه الخاوِي على عروشه   القليل من الَأنَاة والسَلْوان. 
علّه يستفيق من تلك الغصة الموجعة.
ثلاث دقائق، وأربع ثوانٍ تفصله عن خط النهاية.
دقتان مرتجفتان تَنبعثان بوهنٍ من بين أشلاء قلبه الممسكة به بيدي اليسرى.
دقت ساعةُ الختام أُسدلت أهدابه..
وقع كل شيءٍ كان مستوطناً بداخله أرضاً؛ سقطت خيبته مع ثلاث دمعات سكنوا جوف عينه منذ الإصابة الأخيرة. امتزجت تلك القطرات بترابٍ داكنٍ مُبعثر فوقَ أرض النسيان.
تصالبت روحه عند آخر مسلك عَصبي تواجد في أعلى رأسه.
هبطت أمنيته المحلقة فوق أكوام من اليأس، اندثرت، تمزقت، وبعدها تلاشت. 
آخر بسمة ارتسمت على شفاهه حُقنت بسرطان الموت.

يده اليمنى الممسكة بي قد تدلت، وبقيت أنا خثرة إلتياع تسكن جوفه المُقْفِر سنين طويلة.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق