حنان حسن تكتب: الآن وهنا


الآن وهنا
عندما كان عمري سنتين أدخلتني أمي إلى مدرسة أطفال لتقوية المهارات العقلية، وفي سنتي الرابعة وضعتني في مدرسة لتقوية المهارات الحسابية، وكانت دائماً تحفّزني للاجتهاد وتحمّسني لدخول المدرسة، التحقتُ بالصفِّ الأول، وكنتُ من الطلاب الأوائل طوال دراستي في المرحلة الإبتدائية، ولطالما حصلت على عددٍ لا يكادُ يُحصىٰ من الجوائز والشهادات، ولكني لم أجد المتعة بها يوماً لأن ذهني دائماً كان متطلعاً للوصول إلىٰ المرحلة الإعدادية والوقوف بجانب الطلاب الكبار، والشعور بالحرية والاستقلالية عن عائلتي مثلهم، ودَّعتُ مدرستي الابتدائية بفخرٍ، ووصلت للإعدادية، فاستقبلتني المدرسة في أولِّ عامٍ بتكريمٍ رائع لنيلي الدرجة الأولىٰ علىٰ مستوىٰ مدرستي، ولكن في تلك اللحظة بالذات كنتُ أتلهَّف شوقاً لإنهاء الإعدادية والالتحاق بالثانوية، وهكذا ظلَّ حنيني للمستقبل يكبرُ يوماً بعد يوم، وكلمَّا ظننتُه ينتهي الآن كان يستمر بالنمو. في المرحلة الثانوية ازدادَ ضغطُ عائلتي عليَّ لأجتهد وأواظب على العمل والتقدم من أجل أن أحصلَ علىٰ أفضل الكليات في الجامعة، ورغم المتعة التي كنتُ أجدها في ترفُّعي واجتهادي لكن ثمّة شيء بدأ يخنقني كلمّا كبرت ووجدت أنني لم أصل بعد، وكأنه سلمٌ سحريٌّ، كلمّا ظننتَ أنَّك وصلت تجد أنَّ السُّلم يصنع لكَ درجة جديدة، في ذاك اليوم عندما عدتُ إلىٰ البيت أحملُ شهادة التخرج، شعرت ببرودٍ مؤلم، وخيبة كبيرة وصدمة لا تحتمل، فقد انتهت ذكرياتي، وانتهت أحلامي الدراسية وودَّعت أصدقائي وودعت أجمل لحظات عمري، وتخرَّجت كما أردتُ وكما أراد الجميعُ من حولي، ها قد تخرَّجت هل تسمعون.. هل ترون؟، لا أحد يسمع أو يجيب، كنتُ من الأوائل في دفعتي، ولكن لم أشعر بتلك الفرحة التي انتظرتها لسنوات، لم أشعر بذلك الإنجاز العظيم الذي عملت ودرست من أجله لمدة اثنا عشر عاماً على التوالي دون استراحةٍ أو تعبٍ أو ملل، إنَّما استمرَّت الحياة ومر الجميع من حولي وكأنَّ شيئاً لم يكن، فسارعتُ للّحاق بهم والسير علىٰ طريقهم، فبدأتُ بالعمل، أعملُ ليلاً نهاراً، صباحاً مساءً، شيءٌ خانق، كنتُ أظنُّ أنني سأرتاح، كنتُ أرىٰ في العمل بعد التخرُّج لوحةً جميلةً لاستقرارِ الإنسان، بدأ ينهالُ عليَّ المال كما لم أحلمُ من قبل، بدأتُ أجمعُ من المال الذي لم أحصل عليه ربما في كل سنواتي السابقة بمجموعها، ولكن بدأتْ صِّحتي تنهار شيئاً فشيئاً، لم يعُدْ جسدي يقوىٰ علىٰ الإجهاد والعمل المتواصل، فصارَ لي صداقات جديدة من أطباء وصيادلة وممرضين، وصارَ لي حقيبة جديدة غير الحقائب المدرسية وغير حقائب الأوراق والعمل، وهي حقيبة الأدوية التي لم يعُد بإمكاني أن أفارقها، تعبتُ كثيراً، وكلمّا ظننتُ أنني الآن وهنا فقط سأصل، وجدتُ أنّ الطريق لازال طويلاً، ولكنني اكتشفُت متأخراً أنّ كل هذه النظرة كانت وهمية، لقد انخدعتُ كثيراً بطول الطريق، لقد أدركتُ تماماً أن الطريق لم يكن طويلاً وإنّما كان لحظةً واحدة ومكاناً واحداً لا يتكرر وإذا عبرتُه فلن يمكنُني العودة إليه يوماً، في لحظة ما وأنا متكئٌ علىٰ سرير المرض، وبجانبي كوب من الماء وعشرات من عُلب الدواء، وكرسيين خاليين من أخٍ أو ابنٍ أو صديق، وغرفة صغيرة مغلقة النوافذ والستائر، لا يكادُ يدخل النورُ منها، علمتُ أنّني وصلت، في رهبةِ شعورٍ كهذا وأنا أمر بشريط من الذكريات الطويلة، ارتسمت على وجهي ابتسامة صفراء ولم تملك عيناي إلا أن تذرف دمعاتٍ تراكضت على خدِّ أصابَهُ من التجاعيد بقدرِ ما أصابه عبر هذا الطريق من تعبٍ وتجهم يحيل وجهي عابسا يائسا، لتقولَ لي: ها قد وصلت، في لحظةٍ توقفتُ عن التمني، انقطعتْ أطماعي من المستقبل تماماً، وانقطع حنيني إليه، وبدأ قلبي يحنُّ إلىٰ كل لحظةٍ مضت، تذكرتُ جدَّتي وهي تتغنىٰ بماضيها حتىٰ آخر لحظةٍ من حياتها، وعلمتُ أنّ الطريق لم يكن طويلاً، وأيقنتُ أنَّني وصلت.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق