عمر العماري يكتب: رهاب الموت


ماذا نقصد برهاب الموت؟

يمكن أن نعرف الخوف كآلية دفاعية طبيعية مهمة طالما تمتع الإنسان بها، ارتبطت جذوره بآليات البقاء التي لازمت تطور الإنسان منذ القدم، ولذا فقد يشكل الأشخاص الذين لا يخافون خطرا على أنفسهم وعلى المحيطين بهم. بينما الرهاب أو الفوبيا هو خوف مرضي مفرط وغير مبرر إزاء حالة أو سلوك معيّن، تختلف أنواعه بإختلاف أسبابه، ويتميز أنه خوف غير عقلاني لا يتناسب مع درجة خطورة الموضوع المسبب له، كما أن الشخص المصاب يعي أن خوفه غير منطقي ومبالغ فيه.
في هذا الصدد، يعتبر رهاب الموت الأكثر إنتشارا وهو بمثابة استجابةٌ انفعاليةٌ عنيفة وغير إرادية تمزع بين مشاعر القلق المفرط ونوبات الفزع واضطرابات نفسية وعضوية مختلفة تصاحب المصاب إثر تعرضه لكل ما له صله بالموت: كرؤية ميت أو الدم أو الدفن أو تشييع الجنازة او قراءة مواضيع تتعلق بالموت أو سماعها أو التحدث بها... إلى غير ذلك من الأسباب التي قد تؤدي إلى محاولة الشخص الهروب من المواجهة مع هذا الموقف أو هذه الحالة.

النظريات المفسرة لرهاب الموت:
1- النظرية التحليلية:
رهاب الموت هنا يكون بمثابة حالة يكون فيها (الأنا) غير قادر على تقبل الموت، وإذا استندنا إلى ما جاء به فرويد فيما يخص التفريق بين القلق العصابي وقلق الموت، فإنه أشار إلى أن قلق الموت قد يشكل دوما صعوبة بالنسبة إلى التحليل النفسي، ورغم ذلك توصل إلى الميكانيزم الأساسي للموت، من المحتمل أن يجعله قائما بين الأنا والأنا الأعلى.
2-النظرية السلوكية:
يعتبرون القلق بمثابة خوف من ألم أو خطر أو عقاب يحتمل أن يحدث لكنه غير مؤكد الحدوث، وهو انفعال مكتسب مركب من الخوف والألم وتوقع الشر لكنه يختلف عن الخوف في أن الخوف يثيره موقف خطر مباشر أمام الفرد، والقلق يبقى ويدوم أكثر من الخوف العادي وقد يرتبط بالموت إذ ازداد عن حده ولا ينطلق في سلوك مناسب يسمح للفرد باستعادة توازنه، إذن فهو يبقى خوف معتقد لا يجد منصرف.
كذلك إن الإنسان حيث يشعر بانفعال قلق الموت أو الخوف أو الحزن أو الغضب فإن هذه التأثيرات الانفعالية تصاحبها تغيرات جسمانية، فتكون بالغة الخطورة إذ تكرر الانفعال وأصبحت الحالة الانفعالية مزمنة، كالقلق الموت المتواصل قد يؤدي إلى ظهور تغيرات حركية ظاهرة تصحب الانفعال.
3- النظرية المعرفية:
إن المشكلات العصابية تعكس أخطاء نسبية في الحكم، ويعتبر رهاب الموت بناء على ذلك سلوكا انفعاليا ناتجا عن الأفكار التي يكونها الفرد حول نفسه بما في ذلك ما قد يصاحبه من أمراض وهذه الأفكار التي تخرج عن حدود المنطق يكون بموجبها خاطئا نسيبا، وحتى يتم التخلص من الاضطرابات المعرفية يجب القيام بتغير بنيوي للفكرة، من خلال تزويد الفرد المصاب بالاضطراب النفسي المتمثل في قلق الموت بمفاهيم معرفية جديدة.
4- النظرية المعرفية السلوكية:
يتم إعتبار أن الاضطرابات السيكولوجية الانفعالية للفرد كالاكتئاب والقلق هي ذات صلة وثيقة بالأفكار الغيرعقلانية وأن السلوك يتحدد بالاعتقادات والأفكار التي يكونها الإنسان عن واقع الحياة التي يتعرض لها، فيكتسب أفكار لا منطقية استنادا لتعلم خاطئ وغير منطقي فيسود طريقته في التفكير ويتسبب في اضطرابات سلوكية قد تظهر بأشكال مختلفة كالانفعالات بما في ذلك انفعال قلق الموت.

ما هي أسباب رهاب الموت؟
هناك بعض الحالات من القلقِ الشّديدِ قد تسيطر على الفرد لتتطور تدريجيا إلى رهاب الموت، منها الخوفُ من العزلة أو المستقبل، الخوف من فقدان الأهل أو الأصدقاء والمقربين، فقدان الثقة في النفس... ونذكر, من بين أسباب رهاب الموت، ما يلي:
- آلام الفراق نتيجة فقدان شخص محبوب أو فرد من العائلة.
- نوبات الإكتئاب المتكررة التي بإمكانها ان تضعف الحالة النفسية للفرد.
- الأمراض المزمنة.
- الحساسية المفرطة اتجاه مواضيع تتعلق بحوادث الموت وتأثيره على نفسية الفرد.
- الخوف من العدوى.
- الخوف من الألم والمعاناة البدنية عند الإحتضار.
- الخوف من نهاية الحياة، من الموت المفاجئ أو من مصير الجسد بعد الموت.
- الكف عن السعي نحو أهداف الحياة.
- الخوف من العقاب الإلهي.
- تأنيب الضمير وشعور صاحبة بالذنب العميق إثر إقترافه لسلوك معين.
- تأثير فكرة الموت على من سيتركهم الشخص من أسرته وخاصة الأطفال الصغر.
- التعرض إلى الكوارث الطبيعية المختلفة كالحروب والهزات الأرضية والفيضانات.
الأعراض المحتمل ظهورها:
هناك عدة أعراض تظهر عند مرضى رهاب الموت بشكل متفاوت نذكر منها ما يلي:
- شعور عام بالرهبة والذعر.
- وجود أعراض القلق بشكل عام، ومنها اضطراب أو تسارع ضربات القلب، صعوبة التنفس، جفاف الفم، ارتعاش الأطراف، الشعور بالتنميل والعرق الشديد.
- أعراض جسدية مختلفة وغير واضحة، صداع الرأس، آلام على مستوى الصدر، المغص و آلام المعدة...
- بعض أعراض الإكتئاب كالحزن الدفين، البكاء المتواصل والإنطواء، التشاؤم والإتهام المفرط للذات، فقدان الثقة في النفس...
- التحدث عن الموت والحوادث التي تسبب الموت، تأويل أحلام النوم بشكل سلبي ومتشائم وربطه بالموت أو العقاب.
- حساسية مفرطة للأحداث وقابلة كبيرة للتألم بأبسط الوقائع.
- كثرة الشكوى من الأمراض المختلفة التي لا وجود لها واقعيا.
- الإصابة بالأرق وقلة النوم.
- هلاوس الإضطهاد المرتبط بالموت.
- توتر الأعصاب وسرعة الغضب.
- الهروب من المواقف التي تتعلق يالموت مهما كانت قرابة المصاب للميت.

ما هي طرق العلاج؟
تتضمن خطة العلاج طريقتين حسب حدة مرض المصاب: العلاج السلوكي المعرفي وأحيانا العلاج الدوائي كذلك: 
العلاج السلوكي المعرفي:
أثبتت الدراسات أن الدواء مع العلاج المعرفي السلوكي، يأتي بنتائج مرضية للمريض انطلاقا من مراجعة معارف وسلوكيات المصاب قصد معالجة الأسباب التي قد تؤدي إلى تفاقم مخاوفه اتجاه فكرة الموت، ويتم ذلك عبر عدة مراحل حسب درجة حالته الصحية. نذكر على سبيل المثال:
- تشجيع المريض على البوح ومناقشة ما يضمره من أفكار سلبية قد تزيد من حدة مخاوفه، من أجل معرفة السبب الحقيقي الذي أدى إلى استفحال ما يعانيه من خوف مرضي.
- تجنب العزلة ومسببات القلق والإكتئاب وكل ما يثير الحزن والكآبة.
- تعلُمُ تقبُّلِ الموتِ، والتّفكير فيه على أنّهُ جزءٌ من دورةِ الحياةِ التي يمرُّ بها الجميعُ على حدٍ سواء، وبالتّالي يجبُ استغلالُ هذهِ الحياةِ والشّعور بالامتنانِ عليها.
- الإبتعاد قدر الإمكان عن الأشخاص السلبيين والمتشائمين والذين يتحدثون دوما عن مواضيع متعلقة بالموت.
- التّركيزُ على جعلِ الحياةِ التي يعيشُها الشّخص جيدة لتكونَ أكثر بهجة حتّى ولو كانَ ذلك عن طريقِ أمور بسيطة كالإسترخاء وممارسة الرياضة البدنية ومختلف الهوايات التي بإمكانها أن تصرف المريض عن التركيز المستمر في الموت.
- زرع التفاؤل والثقة بالنفس العملُ على تحسين الظّروفِ الحاليةِ ومُحاولةِ حلِّ المشاكل الموجودةِ وتخطِّي الهمومِ لتصبحَ الحياةُ أجملَ، وتكبُرَ قيمةُ الحياةِ، وحبِّ العيشِ على الخوفِ من الموت.
- تجنب مشاهدة الأفلام أو البرامج أو الأخبار التي تتناول الحديث عن الموت بشكل سلبي.
- السيطرة على القلق الذي يتعلق بالموت بالطرق المتاحة للمصاب والتي تتناسب مع صحته وطبيعة حياته.

العلاج الدوائي: 
في حال كانت حالةُ المريضِ مُتطوّرة ومُتأزّمةً، قد يلجأُ المعالجُ المُختصُ، بالإضافة إلى العلاج السلوكي المعرفي، إلى الاستعانة ببعض الأدويةَ التي من شأنِها رَفعُ مُستويات السّيروتونين في الدّماغ.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires:

  1. ما شاء الله عليك اخي عمر كل مرة تأتي بما هو أحسن و أفضل
    شكرا لمعلوماتك هذا

    Asmaa Draou

    ردحذف