شاكر ناجي محمد فوزي خشب يكتب: قصة قصيرة دموع فى عيون ماتت

تغيرت أحوال جارى  الأستاذ (جمال) تماما بعد وفاة زوجته.. كنت أتعجب وأنا أرى مدرس الكيمياء الوقور المهذب يسهر يوميا حتى الصباح فى ذلك البار الحقير القريب من منزلنا.. كنت أعرف أن حياته صعبة جدًا فى ظل خروجه على المعاش وعدم إنجابه للأولاد.. الأن الأمر إزداد صعوبة بعد وفاة زوجته.. لكنني كنت أرى أن كل هذه الصعوبات لا تبرر لصاحبها أن يتحول إلى سكير يترنح فى رحلة المعاناة اليومية من البار إلى منزله.. أحيانا كنت أقوم بتوصيله بنفسي إلى منزله.. فقد كنت أحبه كثيرا -ولا أزال- لأنه كان مدرسي في المدرسة وكان يعاملنى كأبن له وكثيرا ما أعطى لي دروس الكيمياء فى منزله -أو منزلنا- دون أن يتقاضى من أبي مليمًا واحدا.. كنت أشعر بأن من واجبي أن أرد له الجميل.. كنت أقوم بالسؤال عنه ومتابعة أحواله الصحية -بصفتى طبيب- وكثيرا ما نصحته بالإقلاع عن الخمور وأخبرته بأنها ليست وسيلة لنسيان الآلام، وإنما وسيلة لتدمير الصحة وإستجلاب سخط الله.. 
كان يبكى كثيرًا ويطلب مني الدعاء له بالهداية وبأن يرزقه الله الصبر على آلامه، وكان يعدني بأنه سوف يتجه إلى الله بدلا من اللجوء إلى ذلك البار الحقير.. إلاّ أنه كان يذهب بعدها للبار وينسى كل ما قاله لي... 
فى ذلك اليوم ذهب الأستاذ (جمال) إلى البار.. ليشرب.. شرب يومها حتى الثمالة.. وعندما خرج كان نموذجا حيًا للألم والندم والضعف الناشئ عن الوقوع فى الخطية.. كان يشعر بما شعر به قابيل عندما قتل أخيه، ويهوذا عندما خان المسيح والسامري عندما أضل بني إسرائيل بعد هدايتهم..
خرج الأستاذ ( جمال) ليفاجأ بتلك الكلبة المسكينة التى ضربها أحد المتوحشين بحجر ثقيل -أو بقضيب حديدي- على رأسها فأصابها بنزيف حاد..
كانت تحتضر وكانت تنظر له بإستجداء وكأنها ترجوه أن يضع حدًا لألامها.. لم يدر ماذا يفعل.. إلا أنه -بعد تفكير - قرر التوجه إلى أقرب صيدلية وأشترى مطهرا للجروح وبعض القطن.. كما اشترى لها زجاجة مياة معدنية من أحد الأكشاك القريبة... 
وعندما رجع إليها كانت فى لحظاتها الأخيرة فى هذه الدنيا فقام بفتح زجاجة المياه وقربها من فمها فرشفت رشفة صغيرة ونظرت إليه بإمتنان ثم أسلمت الروح..
أضافت إليه  تلك الحادثة كما إضافيا من الأحزان فوق أحزانه جعله يفقد الجزء المتبقي من تركيزه ووعيه مما جعله لايرى تلك السيارة التي صدمته بينما كان يعبر الشارع فى طريقه لمنزله.. تلك السيارة التي قررت أن تختار ذلك اليوم ليكون يومه الأخير..
لم يدر المسكين أنه سيموت وآخر أعماله في الدنيا هي معانقة زجاجة الخمر فى ذلك البار الحقير.
قام أحدهم بالإتصال بي وأخبرني بالواقعة فنزلت مسرعا وبصحبتي جاري الشيخ (مدحت).. وعندما رأيته عرفت على الفور -بحكم خبرتي كطبيب- أنه قد مات.. إلا أنني قمت بطلب الإسعاف والشرطة حتى يتم إتخاذ الإجراءات القانونية والرسمية التي طوت صفحة الأستاذ (جمال) إلى الأبد..
بعد هذه الواقعة بأيام قال لي الشيخ (مدحت): 
لقد حجز (جمال) مقعدًا فى جهنم.. يبعث المرء على ما مات عليه.. لقد مات وهو يشرب الخمر.. قابل الله بفم تفوح منه رائحة الخمر.. ألست  متفقا معي يا دكتور؟ 
شردت قليلا وأنا أستمع لكلمات الشيخ (مدحت) وتبادر إلى ذهني صورة وجه الأستاذ (جمال) وهو ميت.. ذلك الوجه الذي إرتسمت عليه تلك الإبتسامة الهادئة المهذبة الرقيقة البسيطة الخجولة قليلا والتي تميز الموتى..
الموتى الذين قد غفر لهم.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق