محمود العكري يكتب: كيف نقرأ نيتشه اليوم؟


يقول نيتشه:
' إنني لا أثق في القراء مطلقاً، ولن أنتظر أن تقوم قراءة صحيحة لفلسفتي. '
فكيف يمكننا أن نقرأ نيتشه اليوم؟ على اعتبار أن اليوم ليس هو اليوم والحاضر، بل على العكس تماما، حيث يعني اليوم أبداً، بمعنى أننا سنكون دائما معاصرين لنيتشه؟ ثم كيف يمكن لنا أن نتجرأ على تقديم قراءة بخصوص هذا الفيلسوف علما أنه هو نفسه يقول أنه لا يثقُ في القراء إطلاقاً؟ 
لعلّ هذا هو السؤال المهم.
نيتشه صاحب المطرقة التي هدمت كلّ الأوثان وكلّ الأشياء الثابتة والساكنة في مكانها، كان أول من حاول تقديم نقد جذري وحقيقي للفلسفة كل الفلسفة بداية من أفلاطون لهيجل باعتبارها فلسفة نسقية تسعى دائما للتخفي وراء المثال ' الحقيقة ' وعدم مواجهته. 
غير أنّ نيتشه اعتمد في سعيه هذا على تقديم مشروع جديد يكون فيه الفيلسوف مشرعا لا عاملا من عمال الفلسفة المرتزقة.. 
ومشروعه هذا يقوم بالأساس على المفهوم الجينيالوجي الذي قدمه كبديل للمثال الماهوي، وفيه يتم تغيير السؤال من ' ما هو ' إلى سؤال ' من '.. 
فمثلا الحقيقة وجدت دائما مع كلّ الفلاسفة ك " إله " معشعشة هناك في السماء رفقة أبديتها ولم يستطع أي فيلسوف قبل نيتشه أن يسائل هذه الحقيقة نفسها! 
الجينيالوجيا إذن تعيد الإعتبار للنقد الذي لم يستوفي كلّ شروطه مع كانط حسب نيتشه، إذ نعيد مع نيتشه تعريف قيمة القيم ومعنى المعنى، وبهذا تكون الحقيقة ذاتها محل سؤال:
 من يمتلك الحقيقة؟
 ضدا على السؤال الذي تم طرحه منذ الأزل: 
ما هي الحقيقة؟
اليوم هناك ظاهرة التسويق الغبية لبعض أفكار نيتشه والغرض منها إحتواء الرجل داخل فلسفة أو مدرسة فلسفية ما، وهذا خطأ فادح يقع فيه الكثير من القراء الذين يصفونه تارة بالعدمي وتارة بقائد الإلحاد وتارة أخرى بالمسيحي الوفي..
 غير أنه لطالما كان رافضا بالبت والمطلق لأن يتم احتوائه داخل أي نسق فلسفي كيفما كان اعتبارا أن فلسفته في الأصل هي هدم ونقد للنسق.. 
في نظري نيتشه هو ذلك العصفور الذي كان محتجزا في القفص، لكنه ما لبث أن اكتشف ورأى ذلك الطريق العسير الذي يستطيع من خلاله التحليق بعيداً وحيداً في الأعالي! 
وأقول لكلّ القراء والباحثين والدارسين لفلسفة نيتشه اليوم أنه لو كان موجودا بيننا لم يكن ليرضى أبداً بأن يكون له أتباع ما، كيف يقبل بذلك وهو الذي قال:
 اياك أن تتبعني، كن أنت، أنت وفقط.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق