ريحان بوعفيف تكتب: قصة نصف إغماءة


    مازال المشهدُ عالقًا في بطاقةِ الذَّاكِرَةِ الباليةِ التي تتصدّرُ رأسي، يدي اليُمنى تَضْغَطُ على مُنتَصَفِ صدري مُنكمشَ الأضلعِ، وبيْن سبّابةٍ وابهامٍ نصفُ قطعةٍ منْ شيءٍ حلوِ المذاقِ صنعَتْهُ يدَا خالتي البارعتانِ، يُسرايَ معلّقةٌ يتدلَّى مِنها فنْجانٌ نِصفُ مملوءٍ بالقَهْوةِ،
جامدةٌ أنَا بأطرافي، فاتحةٌ ثَغْرِي المليءَ بالنِّصفِ الثّاني منْ قطعةِ الحُلوِ النِّصفِ مَطْحونَةٍ، أنا أتنفسُ.. الهواءُ يصِلُ إلى رئتيَّ بشكلٍ جيِّدٍ، لكنْ يبدُو أنّه اتّخذ طريقًا مختصرًا؛ فالطّريقُ الأصِْليُّ مسْدودٌ، أوْ هكذا شعرتُ حين ضغَطْتُ بقبضتِي منتظرةً أنْ يتوقَّفَ الألمُ، ودُونَ حرَاكٍ، فقطْ أنْتظرُ وأَعْلمُ أنّ الألَمَ سيختَفِي وأعُودَ لمُداولةِ الحياةِ..
   ااه نَسِيت، لدينا ضيوفٌ في المنزلِ اليومَ..
 تَجمَّعَ الجميعُ حوْلِي وصُراخُهُم يخترِقُ جمُودِي، أحيانًا يُحاوِلُونَ طَمْأَنَتِي وتهدِئَتِي، مابالُهم؟ أنا هادِئة!! لِم ينظرون إليَّ هكذا؟! ومابالُ هذا الصَّغيرِ غارقٌ في دُمُوعهِ وأثرُ الصَّدْمةِ والرُّعْبِ على مُحيّاهِ؟! لعلَّهُ شُحُوبُ وجهِي الذي يتقمَّصُ شكْلَ مصَّاصِي الدِّمَاءِ، أوْ أدواتُ بصَرِي الّتي فتَحتُها علَى مِصراعَيْهَا من شدَّةِ الألمِ، المِسكينُ، مِنَ المُؤَكّدِ خافَ أنْ تَخرُجَا من مكانَيِْهمَا وتسقُطَا عندَ قدمَيهِ، لايعلمُ أن الخيوطَ الحمراءَ التي برَزَتْ في مُقلتيَّ لنْ تسمَحَ لِعَيْنَايَ بالهُروبِ، هلْ هوَ نهرُ المياهِ المُتسَلِّلِ من بَينِ جُفونِي مُتّخذًا الأَرْضَ مَلجَأهُ الأخير؟ رُبَّما أرادَ أن يتذوَّقَ حرَارَتهَا الّتي شوَتْ لحْمِيَ البَارِدَ، هذا الفتَى بالتَّأكِيدِ يُقِّلدُنِي، فلا شَيءَ يدْعُو لِلْبُكَاءِ.
   أعلمُ مايجولُ في خاطرِ أُمِّي وأختِها وهُمَا يَنتزِعَانِ الطَّعامَ من فمِي ويُجلِسَانِنِي وينزعانِ ما عليَّ من ثيابٍ قصْدَ تَبْرِيدِي وفتحِ طريقٍ لِلأكسيجينِ، تظُنَّانِ أنَّني اختنقتُ، كَمْ هذا مُضْحِك! سيكونُ عليَّ التبريرُ الآنَ، لَنْ أنجُوَ مِنْ أسئلَتِهمُ الّتي لا تَنْتَهِي..
   بدأتْ أطرافِي ترتَخِي شيئًا فشيئًا وكفَّتْ دُمُوعِي، توقَّف الألَمُ ولمْ ينْعَدِمْ، نظرتُ إلى أُمِّي مستهزءةً: ألمْ تعتادِي عَلَى قُدْرَتِي عَلَى التَّمثِيلِ؟..
هذهِ المرَّةُ كنتُ أعْلَمُ أنَّها لنْ تُصدِّقَنِي، ولكنَّنِي تجاهلتُ المَوْضُوعَ وتحرَّكْتُ اتِّجاهَ غُرفَتِي مُبتسِمةً مُطَمْئِنَةً للجَمِيعِ أنِّي بخيرٍ وأنَّها مُجرَّدُ حالةٍ طَبِيعيَّةٍ ناتجةٍ عنْ استهتارِي، لمْ يكُنْ هناكَ شيءٌ أقُولُهُ لأَصِفَ لهُمْ فِيهِ ما عِشْتُهُ، فأنَا أعْلَمُ فِي دَاخِلِي أنَّهُ ليْسَ سِوَى نِصْف ألم... يُذكِّرُنِي بِنِصْفِ إغْمَاءةٍ، "فقدانٌ للتوازُنِ" هُوَ اسمُهَا الطَّبيعِيُ وهو الّذي تعوَّدتُ قَوْلَهُ لأهْلِي للتَّقلِيلِ مِنْ صَدْمَتِهِم كلَّما تهاوَى جَسَدِي علَى الأرْضِ يحضنُهَا دُونَ سابِقِ إنذارٍ "مُجرَّدُ فقدانِ توازُنٍ"...
  هِيَ لَيستْ إغماءةً، فأنَا لمْ أكُنْ أخسَرُ شيئًا مِن وَعْيِي بِمَنْ هُمْ حَوْلِي، وسُرعَانَ ما كُنتُ أَفتَحُ عينايَ ضَاحِكةً: أنا بِخَيْر.
 تَعوَّدُوا عليها كَتمثيليةٍ أتقنتُها، وجاريتُهُمْ، فأنا لا أحِبُّ تلقيبَ تِلكَ اللَّحظةِ التِي سرقَتْ مِنِّي قُدْرةَ تحكُّمِي في جسدِي بِ"فقدانِ توازنٍ"، وسَأكُونُ كاذبةً إن قلتُ أنَّهُ أُغْمِيَ عليَّ، فَلنَقُلْ أنَّها نِصفُ إِغمَاءةٍ تمنَّيتُ لو اكْتَمَلَتْ لِكَيْ لا أعِيَ ما حَولِي ولا اضْطرَّ للتَّفسِيرِ وأبْدُوَ كالمُنَافِقَةِ الكاذبةِ التِي تعوَّدَتْ على التَّمثيلِ وسُرعانَ ما كَشَفَتْ نَفسَها، كمْ يؤلِمُنِي قولُهُمْ: إنَّها تُمثِّل.. ولكنَّنِي ُأُفضِّلُهُ على نَظَراتِ الشَّفقَةِ الّتِي تَعْلُوا وُجُوهَ البَعضِ مِنْهُم، وعلى صَاعِقَةِ خَوفٍ تضرِبُ قلبَا أمِّي وجدَّتِي.
      لا أعلمُ مَا مَرضِي، وَلا أعْلَمُ إنْ كَانَ مايحدُثُ مَعِي ناتجًا عن نفسِ المَرَضِ أو لا، لكنَّنِي أعلمُ تمامًا أنَّنِي محظوظةٌ بهِ وبِشتَّى أنواعِ آلامِي، فمثلًا أنا لا أتحسَّسُ منَ الغبارِ، فلْنقُلْ أنَّه برعَ فِي مَا لمْ يستطِع النَّاسُ فِعلهُ بِي، انّه مبدعٌ في دغدغَةِ أنفِي وقشعرةِ لحمِي لأخْرِجَ بعضَ العَطساتِ المُتلاحِقَةِ بدلَ القهقهاتِ، ولْنُصوِّرْ مايحدُثُ في رأسِي علَى أنّهُ إيطاليٌّ شَرِهٌ يغرسُ شوْكتَهُ في طبقِ الباسْتَا خاصّتِه، ثمّ يديرُهَا لتلتحِمَ عروقُ دماغِي مع بعضِهَا وتُسْحَبَ مِن جميعِ أطرافِ الصَّحنِ حاضنةً بعضَها البعض ومتمزقةً أحيانًا، ودِمَائِي التِي تَغْلِي ما هِيَ إلَّا صلصةٌ فاخرةٌ من النَّوعِ الذِي أعشقُهُ وترفضُهُ معِدَتِي المزاجيةُ أغلبَ الأحيانِ لتأثيرِهِ السلْبِيِّ عليها كسَائرِ أنواعِ المأكُولاتِ الشَّهِيَّةِ، أحيانًا أرَى جسدِي علَى أنَّهُ مدينة ملاهٍ تعُجُّ بالأطفالِ المُشاكِسينَ، أتعلمُونَ، يقُومُونَ أحيانًا بسَحبِ سلسلةِ القِطَارِ، ذلكَ الخيطِ الوريدِيِّ الَّذِي يسلُكُ عُنقِي ليَرْبِطَ رأسِي بأكتافِي، فتجدُنِي أهُزُّ رأسِي بشكلٍ لا إرادِيٍّ ثمَّ أُكمِلُ علَى خُطاهُ حرَكاتٍ منَ الرَّقصِ الإيقاعِيِّ الذِي ينصَاعُ لهُ بدنِي بالكاملِ..
  أتمعن أحيانا بالنظر إلى السواد المرسوم تحت عيني، أو بعبارة أصح "المنحوت"، من السهل علي أن أنسبه إلى بشاعة خلقية أو إلى افراطي في استخدام الهاتف، لا أحد سينتبه لما يخبئه من ألم منذ طفولتي وقبل ولادة ذاك الجوال المتهم، هذا يناسبني، وإن زاد سواده وعمقه فهو بسبب مرض عابر، أقولها وأنا أضحك بكاتم للصوت، هل يمكن أن يسمى مرضي بغير المزمن؟! إنه الرفيق المزمن حقا، قد لا يرافقني طوال حياتي، ولكنه يحتضنني كل ساعة ودقيقة وثانية ونصف ثانية، نصف عدو ونصف صديق، أشتاقه أحيانا، وإن كان لا يسمح لي بذلك لكثرة زياراته إلى عمارات جسدي، لقد وضع على عاتقه أن يقتحم الملل في حياتي ويحرك بوخزاته قلبي الذي لا أكاد أسمع دقاته وكأنه في سبات عميق.. وبارعة أنا في جعل لحظات اختناق أثناء الأكل تبدو كأنها غصة بالطعام ناتجة عن سرعتي في الالتهام، أو ببساطة أعتبر نفسي في مسابقة لأطول مدة أتحمل فيها كتمان نفسي، بسلاسة وهدوء أتصرف، فقل ما انتبه أهلي إلى حالي، ولكنني في فترة بدأ يظهر فيها ضعفي للعلن..
    هذه الأيام، انضم إلى عائلتي المرضية فرد جديد لا أعلم اسمه كباقي الأفراد، أظنه مولودا حديث العهد ولم يتعود على بيته بعد، ولكنه يرحب بي دوما على أحسن وجه، يحب اللعب بمفصل رجلي الأيسر كلما سلكت طريقا معتجا بالناس، لأنكب على وجهي على الأرض التي ولدت منها وأعود إليها، فأغمزها فاهمة الدرس وأعود للنهوض والمشي مترقبة مفاجآته التي سأقف على اثرها نصف وقفة لأتابع سيري فاتحة صدري للريح الذي يداعبني ويبعث في نفسي قشعريرة الأمل، متناسية أن نفس الريح هي التي تساهم في الكثافة السكانية للكتل الهوائية في كل طوابق جسمي، والظاهر أنها عائلة مترابطة تهوى الاجتماع دون موعد حول غرفة المؤونة على أيسري والتي تسمى بالقلب، يتزاحم أفرادها ويتحاضنون كأنهم لم يلتقوا منذ أشهر غير آبهين بضيق المسكن متخذين العضلة مائدة للطعام، ويبدو أنهم من عشاق الأحذية ذات الكعب العالي، إذ أنني تعودت على صوتها بدل دقات قلبي واهترأت أرضيته منها واشتكت من وزنهم الزائد، حبذا لو يمارسون بعض الرياضة كباقي المتطفلين من نفس جنسهم الذين احتلوا  أعضائي، ولكني أعترف أنهم ذاك النوع من الكتلات الهوائية الذي يهتم برشاقته، حتى أنهم يلبسون أحذية رياضية في أغلب زياراتهم،ربما صدري وبين ضلوعي هو المكان الأنسب لإقامة الاحتفالات حيث يكثر هرجهم ومرجهم...
   أحيانا تبدو لي نصف ربو حين تغلق المسارات التنفسية إلى المدينة، وتكون أحيانا شبه ذبحة قلبية بكامل ما تحمله كلمة ذبح من معنى، ربما هذا لتزامن قطارات الركاب في يسراي وأيسري، فأموت نصف موتة، أدمع نصف دمعة، أصرخ نصف صرخة، وأضحك ضحكة كاملة منتشية مستمتعة بعذابي... وعالقة أنا في النصف، نصف قوية ونصف ضعيفة، نصف هادئة ونصف مشاغبة، نصف مليئة ونصف فارغة، أخطو لأكون نصف كاتبة...
       نصف شاردة، مرت بقربي سيارة ذكرتني أن أواصل نصف الطريق إلى البيت، سرقت بسمة سلام وأمل، لا شيء سيعكر صفو حياتي.
بدوت كمجنونة..
 حثثت الخطى...
..في طريقي إلى زهرتي.

25/10/2017

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires:

  1. جميل جدا ريحان
    ابداع
    بالتوفيق

    ردحذف