منار مصطفى ريا يكتب: تسع أصابع في الكفين



1996 أيلول:

_حسنا ً دع قلمك من يدك الأخرى وعدّ معي.. 

_علي واحد جعفر إثنان، نهى ثلاثه، رشا،... وسيم ثمانيه، حسان تسعه..

_ ما بك توقفت.. أكمل...  

_ذكرتهم جميعا؟

_يوسف ما بك.. لقد نسيت نفسك...

أذكر هذا الموقف جيدا... يومي الثاني في المدرسة.. كنت مشتتاً جداً ومبهوراً جدا مما رأيت... بينما رشا تعلمني العد للعشرة.. مستعينا بأصابع يديّ وباخوتي... 
يعقب أبي: لو أسميتك جحا بدلاً من يوسف. 
ينفجر جميع من في الغرفة ضاحكين.. أشعر بالخجل قليلا ثم أضحك مثلهم مع أني لم أفهم الدعابة... 
كانت رائحة الدخان العربي تملئ المكان وأبي يجلس في الزاوية يفرم القليل من التبغ... أمي تعد الزوفا على مدفأة الحطب التي يملئ وهجها الغرفه و إخوتي متفرقين هنا وهناك... منهم من ما زال نائم ومنهم  يحضر نفسه للذهاب للمدرسة أو العمل...
تبلل رشا يدها بقليل من الماء... تمسد شعري.. وترتب مريولي المدرسي الجديد 
_ لا تنسى سندويشة الزعتر.. ها يوسف 
تضع لي كتبي في الحقيبة... وقبلة على جبهتي 
_لا تتأخر كعادتك 

تتكئ على باب الحديد.. أعلم أنها تحبني كثيرا.. وتراقبني وأنا أذهب للمدرسة التي تبعد نزولا عن المنزل بضع الكيلومترات..
 الجو خريفي والسماء ملبدة بالغيوم والهواء بارد... سينزل المطر بعد قليل... أسرع وأكاد أتعثر أنه حذاء حسان وهو واسعٌ قليلا.. أصل متأخرا كالعادة وتبدأ  الأنسه بزخ الأسئلة. 
_هل حفظت الأعداد يوسف؟ هيا ابدأ العد..
ولكم أن تحزرو... أجل نسيت نفسي مرة أخرى... وصرت أكره العدد عشرة... حتى أني لم أشعر بالذنب يوماً على درجة تسعة أو تسعة ونص بالأملاء ولا بالفرحة على العشره بمادة الرياضيات.. 

2015  أيلول:

يرن هاتفي الخليوي... يرن ويرن 

"يا ريت الريح إذا أنتا نسيت حبيبي طول الخريف وما جيت ينساها الحور وقمرها يغيب و ليلا يطول"

إنها رشا.. لقد طلبت مني أن أخصص لها هذه النغمه بعد أن بحثت كثيرا عن نسخة تسجيل صافية من هذه الأغنية.. 
لا زلت في بداية استيقاظي تحت تأثير البنج... هذا ما أذكره من ليلة البارحة.. جلبة الدكتور والممرضات.. وطنين عالي في أذني وألم مبرح في كل جسدي 
لا أعلم من أتى بي إلى هنا... كل ما أذكره أني كنت خلف الساتر ثم حدث دوي أنفجار كبير... استجمعت بعض قواي و نهضت.. بدأت أتفحص الغرفة من حولي.. وجدت رفيقي وقد بترت قدمه على السرير  المجاور... تحسست رأسي واذ قماش يغطيها.. لا أعلم لماذا كنت أحلم بيومي الثاني في المدرسة... ربما هو تأثير البنج أو أثر الصدمة. 
أمسكت الهاتف بيدي اليمنى وأجبت... "
_ألو 
_لحمدلله يارب... لحمدلله يارب
_ انا بخير 
_ ياعمري أنت  قلقت عليك كتير 
_لحظة رشا..."
مازلت مشوش الرؤيا والذهن.. أحسست بألم بيدي اليسرى.. التفت واذا هي ملفوفة بالقطن والشاش... أدركت ما قد حدث 
كانت رشا تزخ الأسئله زخاً.. قاطعتها 
"_ تتذكري وقت كنتي عم تعلميني عد للعشرة و تقوليلي عد أخواتك ع أصابعك وأنا أنسى حالي وأوصل بس للتسعة 
_ يوسف شو في شو جابك لهيك سيرة 
_ ما في شي... بس صار فيي أنسى حالي  وأنا عم عدكن ع أصابعي... عادي أصلا من يوم يومي بكره العدد عشرة "
أحسست بغصه عميقة رغم بساطة الخسارة... أقفلت الهاتف في وجهها... ثم شردت طويلا.ً 
التفت الى وجه رفيقي البأس... ونسيت مصابي... كيف سأواسي هذا المسكين... 
بت لا أعلم شيئا... أين العدل في كل هذا؟؟ 
 أي عشوائية هذه هي التي اختارتني.. اختبرت الكثير من الصدمات والمفاجآت  وأكوام التفاهات... لكن هذه هي المرة الأولى التي أضعف... 
كل الذي خضته يؤكد لي بأني شيء فائض ومستهلك في هذا العالم.. هل كان وجودي خطأ وبلا معنى.. أم أني لست أكثر من مسافر في ليل يتيم الأنجم... وأن الموت هو محطتي النهائية والمحتمة...
أي قدر أعمى هذا الذي يتعثر بنا.. فيحيلنا مجزوئي أحلام وأجساد... 
كم تمنيت أن أعود ذاك الصغير الذي يخطء العد ولا يأبه إن كان عدد أصابعه تسعه أو عشرة... طالما أنه سيحفظها ثم يكافئ بحكاية جميلة قبل النوم... أو بعلبة ألوان ومسطرة براقة.. 
قد يكون سؤالا بديهيا.. كم عدد أصابع اليدين؟ كم قدما يملك الإنسان اتضح لي الآن... لا معنى للأسئلة البديهية لمن خاض حرباً.. 

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق