ساجدة الرفاعي تكتب: غرفة الإنعاش


وضعت حلمي بعد مخاضٍ طويل لعملية ولادة صعبة حيث كانت منهكة للغاية، لم تكن سهلة، بل استخدمت محرضاً صناعياً حتى تمكنّتُ من إنجاب الحلم بعدما تناولت جميع أدوية الأمل والتفاؤل ومحفزات لزيادة سرعة تحقيقه، 
تمت العملية بنجاح لكن هناك صاعقة ما ضربت عواصف قلبي جعلتها هائجة، جاء الحلم مشوّهاً وغير مكتمل، بسبب سوء تغذيتي للحبور وهناك عامل آخر وهو خلل في كروموسومات الهناء
وضعته تحت العناية، دعوت ربي من غصة تسكن القلب،ومن صرخة في أيسر الصدر، ثم وضعت حلمي على سريرٍ في غرفة معتمة حيث تهرب بقعة ضوء من خطوط جهاز القلب، وشريطاً معلقاً بأنبوبٍ موصولٍ به يذرف آمالاً علّه يساعد في تنشيطه،
سُميت تلك الغرفة "غرفة الإنعاش"
كان يُمنع دخولي بسبب الأشعة داخلها، كنت أقطن في الخارج وأنظر إليها من خلال لوحٍ زجاجيٍّ شوِّه من أسى الواقع، كان حلمي ترتيبه الثاني من بين أحلامي، 
اعتنيتُ به بشدة وخفتُ أن أحرم منه لهذا أسميته(حلمي المكبوت) قضى ردحاً من الزمن، ومازال حلمي مرمياً في تلك الغرفة، كجثة هامدة، كان ينزُّ موتاً من برودة الواقع، من الغربة التي كانت هي أول الأسباب لدخوله في سباتٍ سرمديّ
أصبت بنوبات الفقد، وبصراع الضياع، شعرت بغرغرينا تكاد تفتك بي،
بدأ ضباب الموت يخيّم فوق غرفة حلمي وبدأت خطوط دقات القلب تتباطأ، خطٌّ شبهُ مستقيمٍ صوتٌ صفيرٍ عالٍ وكأنه يطلب الاستغاثة، هرولت مسرعةً وأمسكت جهاز صدمات القلب الكهربائية علّه يوفر صدمة سريعة قادرة على ضخّ التيمّن، وآمنة على احيائه، لكن للأسف لم أستطع انقاذه، توقف النبض
مات حلمي، مات ابن قلبي 
وماتت كل مشاريعي لمستقبلي، وبدأ العفن يغطيّه أصبحت رائحته كريهة، ارتديت الثوب الأسود وفتحت عزاءّ أنا وقلبي وحلمي البِكر،
عشتُ على مضضٍ، بروحٍ هائلة، ونفسٍ هزيلة، أفكارٍ معقّدة، ومتشابكة التفاصيل، وأحلام عقيمة ومبهمة،
كفكفت دموعي ودفنتها في صندوقٍ بين أحلامي التي أجهضت من قسوة الحياة، ووضعت الصندوق بجانبي واحتضنته ثم بكيت حتى ثملت بكاءً ونمت.
   

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق