هشام المحب يكتب: ماهية الفن وغايته



ديباجة: 

إن المعرفة البشرية منذ وهلتها الأولى إلى الآن، ظلت سجينة اللغة، وبالتالي سجينة الفهم، ولم تكن كل تمطيطاتها اللغوية في محاولتها لمقاربة ماهيات الأشياء إلا نوعا من أنواع الجدوى؛ جدوى مغادرة أسقف الجهل لما له من أثر تراجيدي في رهبة الإنسان من مصيره ومصير الكون، لذلك كانت أول وأقرب الصناعات الإنسانية مقدرة  وأصالة في الإنسان، هي صناعة الشعر، باعتباره الشكل اللغوي الأكثير الإلتصاق بطبيعة التجربة البدائية، بوصفه ردة فعل تلقائية مقابل نزعة الخوف/الفهم والتي لن تبرح إلا تتطور لأن تصبح فيما بعد  نزعة ارتقاء من الذات باعتبارها لوغوس إلى الكوسموس 
يقول محمد عزيز الحبابي يندهش البدائي أمام مظاهر وظاهرات الطبيعة كما اندهش قدماء فلاسفة اليونان الذين ادعوا أن كل الأشياء مليئة بالآلهة [...] هكذا كان البدائي الفنان يسكن الأشياء ويحيى معها بمعنى يحياها لذا قيل ولا زال يقال عن الشاعر أنه مسحور مجنون وضعفوا شخصيته كما فعل العرب إذ نسبو لكل شاعر شيطانا يوحي إليه 
نقول أن الفن بختلفه، كان التجربة الفكرية الأولى التي ترمي لإستفتال العالم بغية استخلاص المعنى... رمزية العمارة الفرعوينة والإغريقية/ الكتابات الهيلوغريفية / الكتابات الشعرية وبما فيها الدرامية على وجه الخصوص، مثال: ملحمة جلجامش السومرية /  الإلياذة والأوديسة  ملحمة الشاعر الإغريقي هوميروس / تراجيديا أسخيليوس و كتباته في المسرح الدرامي / فن النحت في اليونان القديمة الذي كان أغلبه منصبا على المواضيع الأساسية تجسيد الآلهة والأبطال الأسطوريين في شكل فني غاية في الإتقان والجمال...
تاريخيا نجد أن البداية كانت بالفن، بالشعر، بالمسرح والميتولوجيا... لكن بالنظر إلى طبيعة الكائن العاقل وتعطشه للمعرفة ورغبته في احتواء العالم وتفسيره بل والتحكم فيه وتسخيره ووفقا لغاية الإستقواء (إن المعرفة قوة) كما قال فرانسيس بيكون، أبى إلا يقصي العبارة الشعرية (الشعرية بمعناها الهايدغري) التي ظلت ناموس الدلالة فيما يخص علاقة الذات بالآخر والعالم، بل وأن يسقطها في خانة اللامعقول عبر سيرورة كرونولوجية دينامية، وصولا إلى اللوغوس وإلى الشكل المنطقي العقلاني بل والتقني الأكثر نجاعة في اعتقاد بادئ الرأي وصولا إلى العلم وإلى العقل الحاسوبي، بل وصولا إلى ثورة السبرنيتيقا... هكذا أصبح سؤال المعنى طرحا من طروحات العقلانية وأصبح يطلب الجواب عنه من قلب المجال الوضعي المنطقي الجاف.
 مما أدى إلى تحول اللغة من سياق الدلالة المنفتحة على الآفاق المجهولة مع الشعر، إلى لغة تكميمية حسابية وإلى رقميات مع ثورة الذكاء الإصطناعي وإلى شبكة دلالية منغلقة. فقدت اللغة بذلك آخر احتمال لإستيعاب جوهر الكائن والكون في هذا الأفق؛ أفق المعنى، بدءأ بالعبارة فالقضية، فالشفرة،  وبالتالي تحولت جدوى الفهم فلسفيا إلى عدمية معرفية، محت  فرادة سؤال المعنى...
هكذا نجد أن الخروج من ميتافيزيقا العصر (الميتافيزيقا هنا كلمة استعملها هيدغر للدلالة على هذا النموذج الفكري التي وصم تاريخ الفلسفة) كما حددها هيدغر تتحدد بدءا بتجاوز التعريف الأنتربولوجي لمفهوم الإنسان. التعريف الذي يرادف النظر إلى  الإنسان كعقل ومنطق أي من حيث هو قدرة على التكميم والحساب ومؤداه لطمر سؤال المعنى، أو نسيان الكينونة بلغته، بتوججه الأداتي المجحف، ما يرمي إلى العود الدائم إلى حضن العقلانية المريضة.
ومن هنا أيضا كانت صرخة نيتشه ملحة للسعي للتأسيس ديونيزوسية جديدة، أو العودة للغة الجسد الحر/ الكائن الأول بكل همومه وآلامه، لغة الوجود حسب هيدغر، أي البداية بالرجوع للفكر الأصيل ما يستجيب لأصالة الإنسان، أي إلى شعرية اللغة منها إلى القضية المنطقية، إذاك فقط ينفلت كل الإنتاج الإنساني من قيمتي الحكم (عقلاني/لاعقلاني) وما يتواثر عنهما عمليا، وتختلق فسحة التجلي (تجلي معنى الوجود) من أنقاض الفهم وينفرج أفق الكينونة للإنكشاف، انطلاقا من عدم فكرة الإرتداد المعرفي إلى الذات، وتحقيق التخارج الحامل للإرتياب (الهم) و(الخوف) (القلق) الملقى على عاتقه أو الذي يحمل آهلية طرح سؤال "ما الوجود ؟"
يستحضر هيدغر في تقديمه لكتاب الكينونة والزمان نصا لأفلاطون يتحدث فيه عن مفهوم الإرتياب حيال معنى الوجود، يقول أفلاطون في أحد حواراته : "إنه لمن المؤكد أنكم تعرفون حقا المعنى الذي تقصدونه حين تستخدمون تعبير الموجود، أما نحن فقد اعتقدنا فيما مضى أننا نفهمه، وها نحن اليوم حائرون بشأنه" من هنا يسعى هيدغر لإعادة طرح معنى الوجود لا الموجود بعد أن يعلقه من قبضة الميتافيزيقا (تعليق الحكم أو الإيبوخيه في فيينومينولوجية هوسرل هي حالة فراغ الوعي في لحظة استقباله ظواهر العالم)
ما الوجود ؟ هذا المعطى الغامض القسري المنفلت من كل تحديد ؟ ماذا يشكل بالنسبة للذات أو للموجود هنا ؟ هل هو وحدة كثرة أم كثرة وحدة ؟ وما هي أو من هي هذه الذات المنفعلة حيال الوجود ؟ هذه الذات الإبستيمية ؟ ما علاقة الوجود بالفن ؟ هل يصبو الفن بهذا المعنى لأن يكون إبستيمولوجيا ؟ ما علاقة الفن بالمعرفة ؟ هل للفن قدرة الفكر في إدراك المعنى ؟ ما الذي يحمل الفن هذا العبء ؟ ما هو الفن ؟ ولأي غاية يكون الفن فنا ؟ 
"أنا أفكر إذن أنا موجود" يقول ديكارت... إن تعريف الإنسان تبعا لهذا القول يتحدد بما هو ذات ووعي وفكر،  لكن ما المقصود بهذا الفكر ؟ لماذا هذا التطابق الفكري/الأنطلوجي ؟ 
يقصد بالفكر أو الوعي هنا علاقة الذات بالموضوع تلك العلاقة المعرفية التي يكون بموجبها تمكز الذات في مقابل أشياء العالم بوصفها موضوعات للوعي ما سماه هيدغر بإمبريالية الصلة بين الذات والموضوع
لقد أحدثت هذه الثورة الكوبيرنيكية خلخلة في تصور كيفية طرح وتوجيه السؤال، فبعد أن كان السؤال في التقليد القديم ينطلق من الطبيعة أو الكوسموس إلى الذات كما عند قدماء اليونان أو من الله الخالق إلى المخلوق كما عند الإسكولائيين،  أصبح ينطلق من الذات/ الأنا إلى الطبيعة.

 نقول تبعا لديكارت أن الإنسان صار بما هو أنا أفكر أي أنه صار ذاتا بل صار الذات الوحيدة الأكيدة الراسخة وصارت كل الطبيعة موضوعا له... فأصبح لدينا ذاتا متعجرفة متعالية كل ما غيرها أصبح موضوعا لها، وإن هذه الذات إلا قوالب ذهنية صورية تسعى لأن تمعير العالم وتموضعه وفق لإدراكاتها الحسابية... حتى أن المعرفة لم تعد تقاس بمقاس الكائنات، بل أصبحت عبارة عن حكم منطقي يقيس مدى موضوعية الموضوع بما فيها الذات التي تصدرت هذا الإشعاع الفلسفي... فكان منذ ذلك أن فعل التفلسف الحق كان مرده إلى النشاط العقلي الذهني الرياضي والمنطقي 

لقد ردت النزعة الذاتية أين نزعة ديكارت، لايبنبز، كانط وهيجل (أي رواسب الحداثة) الكائن الموجود هنا؛ الدزاين، إلى أنا أفكر أي عقل وحساب... وبالتالي ساد الإعتقاد وفقا لهذا التصور الذي لا زال يتخبط فيه الإنسان إلى الآن أن العقل نقيض اللاعقل وكل ما يخرج عن إطار العقل يسمى لا معقولا وأن أي تصور يصب عكس ما تمليه القوالب الذهنية المنطقية بصيغها التمثيلية يتصف  بالاعقلانيةـ، وهكذا أصبحت تتراوح صيغ الحكم عقلاني لاعقلاني في مدى تطابق الصورة مع البنية الذهنية المنطقية في تلك العلاقة المعرفية التي تحكم  الإنسان في تفسيره لمظاهر العالم 

مما حصل أن مورثاث هذه العقلانية كانت من اللامحمود عمليا في ارتباطها بتجارة المصالح الإيديولوجية سياسيا وأخلاقيا، ونظريا وصلت إلى حد استيلاب الكائن من كل مقومات الوجود وخصائصة الإنسانية كما يعبر هوسرل، استيلابه من ماهيته الروحية، ومحو كل فرادته من إرادة وحرية، من حيث هو كائن مفكر، مبدع وخلاق 

لذا نجد في تأسيس هيدغر لنقد التصور العقلاني يبدي تصورا عكسيا مفاده أن تلك اللاعقلانية المزعومة بمعاداتها للعقل هي ضمنيا لاتخرج عن محدداته معناه أنها في سعيها العابث نحو الحرية ونقض العقل لا تنفك تخرج عن العقلانية ذاتها... فالقول باللاعقلانية إنما يأخذ معياره من العقلانية... ومن ثمة يفترض أن العقل أمر ثابت ما كان من شأنه أن يناقش... أما أن اللاعقلانية هي تنافي للعقل وخروج عليه فما يعد هذا الحكم حسب هيدغر إلا دفاعا عن المنطق ليس إلا... بل إن تعميم فكرة العقلانية على جميع المجالات غاية توحيدها وجعل قيميتي الحكم تتراوح بين عقلاني ولاعقلاني (إما وإما) هي أول منزع للسقوط في اللاعقلانية، في حين أن الأصل في العقلانية واللاعقلانية هو بما يحملان من تبادل للأدوار

مفاذ هذا النقد أن هيدغر يحيد عن سطوة المنطق الذي يقف بوليسيا على الفكر لتأسيس نموذج للفكر أكثر أصالة  فكر يرمي لإستذكار الكينونة لا نسيانها فكر يفكر في كنفها لا بمعزل عنها...

فهل يعد الفن بهذا المعنى لاعقلانيا ؟

لنا ان نتذكر ماذا قسوة تاريخ الفلسفة على الشعر والشعراء والفنانين بدءا بأفلاطون الذي طردهم من الجمهورية وصولا إلى الوضعيين المناطقة الذين رموا الشعر والفن والدين زمرة القضايا الني لا معنى لها، إضافة إلى الموقف العدائي لدعاة البرهان في الشق النظري الذي يدعم الفن كمصدر من مصادر الحقيقة...  لقد سؤل كرناب ذات مرة ما حكمك على كتابات هيدغر، فقال: "ليس لدي حكم على شيء ليس له معنى"

لإستبصار هذا الإشكال تجه هيدغر للبحث في اللغة فوجد أن ميتافيزيقا التفكير هاته جعلت من اللغة وسيلة لخذمة طبيعة توجهات مقصودة ينهيها الإستهلاك الفوري في حياد تام عن كل ما من شأنه أن يبعث المعنى للإنسان ويدرك كنه الكون... فجسب هيدغر إن بتنقية اللغة مما علق بها من شوائب الوظيفية جراء هيمنة ميتافيزيقا الذاتية، آنذاك وفقط ستنهض اللغة بمهمتها من جديد كما كانت لدى الفلاسفة الما قبل سقراطيين 

الحل حسب هيدغر يكمن في تجاوز اللغة الإشارية الوظيفية وتحرير اللغة من ارتباطاتها النحوية عبر تمكين عناصرها من تمفصلاتها الأصلية وهي مهمة موكولة إلى الشعر 

فاللغة  في الشعر  تتجاوز كونها تحمل مجموعة من البنيات كالبنية الصوتيّة ، والبنية الإيقاعيّة ، والبنية المعنويّة، أو  كونها ترعى تطابق الدال والمدلول أو الشيء والحكم 

وحدها عبارة الشاعر تستدعي حدث الكينونة، (هذه الكينونة المنفلتة) لما لها من قدرة على سبر أغوار الكون حفرا للوصول إلى جوهر الأشياء.. عملية قد لا يحدثها العالم والفيلسوف العقلاني والوضعي...

إننا نحيى داخل اللغة ونفكر فيها وبها أو على حد تعبير هيدغر... إن اللغة بيت الكائن ومسكنه الأصيل الذي يأثت فيه لكينونته بل هي نزل الكينونة الذي يتكفل الشاعر المفكر بالسهر على إجلاءها وبعثها من خلال القول... أما الجمال بما هو الصيغة المبررة للشعر أو الغاية فيحدث لحظة ما يعري الشاعر اللغة ويخلصها من كل شوائبها ويبرزها في حلتها الأولى التي هي في الأصل ليست إلا تلك الحلة الجمالية يقول هيدغر : "إن اللغة حين تحتفل بنفسها تقول شعرا"

إن ماهية اللغة من خلال هذا التصور ليست وسيلة للفهم فهي ليست دربة أو وسيلة يتحيزها الإنسان... بل إنها بمثابة فأس أصيل يحفر بحثا عن معدن الكون وحقيقته... إنها كائن حي يحكم طبيعة علاقتنا بالأشياء ويمكننا من بلوغ جوهرها أو كنهها...
وفي هذا السياق الشعري الفلسفي لا يستلزم كون الفكر نشاطا عقليا منطقيا كما عد منذ بزوغ عقلنة التفكير وأيضا لا يعد الشعر نشاطا تخييليا أو شعورا أو وجدان 

يقول هيدغر "إنّ الشاعر هو راعي الوجود وحامي بيته" عمل لا يتحقق داخل دربة الميتافيزيقا أو بلغة أخف، تصورنا لفعل التفلسف عبر تاريخه العقلاني 

إن ما يقوم به الشاعر هو شق طريق العودة إلى أصالة المعنى إلى شغف البدائي واحتفاله بالوجود... إن الشاعر هنا بمثابة الإله يهب من خلال اللغةِ المعنى وكنهَ الأشياء وحقيقة الكون ويفتح نافذة النظر إلى الكينونة... الشعر هو مهد التفكير هو التجربة الإنسانية الأولى في عالم الفكر... 

أن كنه الشعر " هو إقامة لما من شأنه أن يبقى ويدوم ( الكائن) " ولهذا كان الأصل في الشاعر " أن يعرض الأمر المقدس الذي يجلي كينونة الالهة ويمتحنها، وذلك حتى تجيء هي لتنجلي من تلقاء نفسها بفضل قوله [...] إن النحات يستخدم الحجر، مثلما يفعل ذلك البناء ، لكنه لا يعمله ليستهلكه ويستعمله ويستكرهه كما تفعل العقلانية، وإنما هو يفعل ذلك ليخلد ذكره ، والرسام يستخدم الألوان لا لينهكها وينضحها، وإنما  ليجلي بريقها ، وكذلك  الشاعر يستخدم الكلمات، لكنه ليس بالمتحدث العادي الذي ينهك الكلمات، وإنما الأصل في الشاعر أن يجليها  

 الشعر ارتبط منذ البدء بالقداسة وكان مرتعه المنطقة الوسطى بين عالم الآلهة والبشر بين السماء والأرض... فما كان الشعر موضوعا ولا ينبغي له أن يكون تمثلا قابلا للحساب وفق قواعد الذات المدرِكة أو وفقا للمنطق، "الفن هو اللامنطق"7


فما هي وظيفة هذا الشعر وما مفهومه عند هيدجر؟
 من خلال الأبحاث التي أجراها هيدغر على صديقه الشاعر هودرلين قد  لمح تلك العلاقة الخفية التي ينصهر فيها الشعر والفكر معا حيث أصبح بإمكانه الحديث عن وجود كينونة في الشعر، فللشعر مرتبة الفكر ، فالشاعر شأنه شأن المفكر قادر على استبصار المستقبل فهو "منقب عن الكينونة باحث ، بل مقيم لها مشيد" ، فعن طريق القول الشعري يستطيع " اكتشاف دلالات الكينونة وأبعاد حقيقتها " كما هو الشأن مع الفكر اليوناني  الذي قد مهد له الشعر بشكل من الأشكال
يقول هيدغر لقد قادتنا الميتافيزيقا إلى نسيان الوجود، والشعر هو السبيل الوحيد لإستذكاره...
يقصد هيدغر بكلمة شعر dichtung  ؛ الفن بمعناه الواسع، فالشعر لا يقتصر على الشعراء وحدهم بل كل فنان ينحو هذا النحو، هو شاعر بالضرورة، يقول هايدعر" ما من فن إلا وهو أصلا قصيدة شعرية مبينة، حتى الشعر نفسه Lapoésie هو ضرب من القصيدة بالمعنى الأوسع ، أي بمعنى مشروع بيان انفتاح الكينونة" ص663 وقد علل ذلك "أنه لا يلجأ إلى توسل اللسان، توسل التواصل النفعي، وإنما توسل الإبانة الكشفية
فما هي غاية الفن وما علاقته بالفكر  ؟ ومن أين لديه هذه القدرة على التجاوز والإستذكار أي استذكار ما تم نسيانه (الوجود) ؟
إن ماهية الفن هي ما يجعل الحقيقة تظهر (أي أنه قبل كل شيء تصور معين للحقيقة) وما يجعل الوجود ينكشف والكينونة تتبدى... فحقيقة الفن توجد داخله لا فيما يدل عليه خارج ذاته (أي في الواقع)... فحقيقته هي مدى مطابقته لذاته بما هو انفتاح على الكينونة وظهور لها "الفن بما هو انبجاس" ...
الفن راعي الوجود والفنان مصغي يصيخ السمع لنداء الوجود، فالفنان لا يبدع شيئا من عنده بل يصطفيه الوجود ويمنحه لغة التعبير المناسب عليه...
النظر الفني أو الإستطيقا عند هيدغر : 
ومثلما فكر هايدغر" بدور الفكر، بمعزل عن الميتافيزيقا أو الفلسفة، فكذلك فكر بالفن أيضا بمعزل عن علم الفن الإستطيقا (Esthétique)، بما هو (الفن) منحوت على وزن لفظة "لوجيقا" Logique   أي المنطق وهو ( علم صور وقواعد الفكر ) و"إتيقا" Ethique  ( علم الأخلاق الجمعية، أي موقف الإنسان الوجداني الجواني والطريقة التي بها يحدد هذا الموقف سلوكه) 
"وبالجملة ،شأن "الجميل" أنه هو "الحق" وأنه ما كان من اختصاص "الإستيقا"، ولا الحق كان من اختصاص "المنطق".[...] فالجميل هو أحد أنماط انبلاج الحقيقة . ذلك أن شأن الحقيقة، إذ تتحقق، أن تظهر " وليس" الفن سوى كينونة الأنسان الشعرية ، أو هو إقامته الشعرية في العالم. فالانسان الذي يقيم في العالم، إقامة شعرية ، من شأنه أن يظهر كينونة الأرض والسماء والمقدس، وأن يجليها ويحفظها ويتذكرها ويصون ذكراها. وما كان ذلك بالأمر المتحقق له إلا في العمل الفني وبه " 
فلئن كان ما يحدد الفكر هو الحق وما يحدد السلوك الإنساني هو  الخير وما يحدد إحساس الجمال هو  الجميل  [...] صار التفكير في الفن إستطيقا. بمعنى أن تضع العمل الفني وتتمثله كموضوع معروض على الذات [...] هكذا تسعى الإستطيقا أن تحول العمل الفني إلى  موضوع  إحساس و تمثل، فيتحول فتحول الفن تبعا لذلك إلى موضوع، فإنه يصبح محلا للعرض وتحفة  في متحف و موضع تذوق وتقدير وتقويم، وبالتالي يستحيل جزءا مما يسميه الحداثيون " الثقافة"
فهيدغر  يدعو إلى ضرورة التحرر من النظر الإستطيقي إلى الفن [...] كما يدعونا إلى التحرر من منظور "الإنسان الجمالي" ففي اعتبار هيدغر ما كان لكنه الفن أن يعبر عن الأمر المعيش... فليس من شأن الفنان أن يعبر في عمله عما يعتبره حياة الروح... إنما يتمثل كنه الفن، في أن الفنان يمكِّن عمله الكائن المختفي من أن ينجلي ، ويمكن الإنسان المتأمل في العمل الفني من أن يكشف هذا الكائن الذي يحيا وسطه حياة الأعمى وكأنه يكتشفه من جديد [...] فالفن عنده ما تحقق في العمل الفني لا غيره . 
أما هايدغر فيرى " أنه حتى يتسنى لنا أن نفهم "العمل الفني" و" الفن الشعري" كما هما بذاتهما، فإنه يلزم على الفلسفة "أن تتخلى عن عاداتها السيئة في فهم مسألة الفن بالتوسل باصطلاحات الإستطيقا". وذلك باتباع البديل الذي يعرضه المتمثل في أن العمل الفني قادر على فتح كينونة الشيء وقادر على كشفها وبالرجوع إلى اليونانيين نجد أن نظرتهم إلى "حقيقة الكينونة" بما هي "انجلاء"و"تبد"و"ظهور"و"إشراق" . ولذلك سووا بين الحقيقة و الجمال.

تحوير وخاتمة  :
يقول هيغل :" بالنسبة إلينا ، فإنه ما عاد الفن النمط الأعلى الذي به تتحقق الحقيقة" ويضيف : إنه وإن رقى الفن واكتمل، فإن شكله لم يعد للروح المطلب الأعلى [...] وإن الفن يبقى بالنسبة إلينا، أمرا تم تجاوزه" 
إن المتأمل في قول هيجل سيستشف هذا الحجم من الإقصاء والتهميش للفن، لكن المدقق يدرك جيدا أن هيغل لا ينكر أن للفن مكانة خاصة كذوق راقي بل والقارئ لهيجل يعرف جيدا أنه قد سطر الفن جانب الفلسف والدين في أرس أولويات اهتمام الروح ابان نضجها نفس الأمر يقر به نيتشه أن  الفن فقد قيمته وقدرته على إنشاء قيم جديدة، وبالتالي سقط في العدمية
لكن الباعث في نظره هو فقدان الفن القوة لتحقيق المطلق الذي تصبو إليه الروح إذ قد أضاع إمكانية الإطلاقية أي أن يكون راعي الأمر المطلق مما ترك المجال للعقل
إذا نظرنا إلى حال الإنسان اليوم سنجد أن الإيديولوجيا والتقنية صارتا تطبقان الإحكام علىه وتزيدان من عمق الفجوة التي يتواري فيها الكائن وكينونته... ولإ افترضنا اليوم انطلاقا من إنتاجاتنا الفنية بل وتصورنا للفن نفسه أن ثمة تعالقا بين إنتاجاتنا الفنية  وحقيقة كينونتنا، لصح إذا كلام هيغل في "أن الفن أمرا ثم تجاوزه"...
 لأن كل عمل فني في اعتقادي لا يصدر عن مخاض من القلق والضياع والتشظي أمام أسئلة الأطراف ولا يحفر الأرض عميقا لأقصى درجات  الوجود حيث يوجد كنه الكائن بل ولا يمتج من جوهر الوجود الذي ليس شيئا آخر غير التراجيديا، ولا يذكر الإنسان بأصله الإنساني والكوني فهو عمل فقاعة، موسمي...

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق