يمنى مروان نعساني تكتب: فوبيا 76



ظلامٌ مُدْلهِمٌّ
صمْتٌ مُهيبٌ
وبُقعةُ ضوءٍ تنتَهِكُ حُلكةَ المكانِ لتُسَمِّرَ الأبصارَ

       _الولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة_
      _الثالثُ من شباط، عام (٢٠١٧)_
عيْنانِ بحَدَقَتيْنِ مُتأرجِحتَيْنِ كما رقّاصُ هذهِ السّاعةِ التي تَئِنُّ زمناً بعقارِبِها، زمنَاً ارتَطَمَ بجِدارِ الألمِ، عبثاً يَشُقُّ طريقَ الروحِ للمستقبل، عبثاً يجتازُ بالجَسَدِ حدودَ ذاكِرةِ عاهةٍ مُستديمةٍ أصابَتْ كَبِدَ الإنسانيّة.
لِمَ على اللُّؤمِ أن يُضاجِعَ الظلامَ دائماً؟!
وَقْعُ خطواتِ" إيميليا "في الممرِّ تُوحي بدُنُوِّها، قَطَعتْ صمتَ المكانِ بصوتِها الذي باتَ جُزْءاً من طُقُوسِ مساءاتِ "ديفيد" المتعاقبةِ برتابةٍ في هذه الدَّار.
_هل ستُحافظُ على وضعيّةِ الكوْمةِ مُحتضناً رِجليْكَ، تحْشّرُ رأسَكَ بين رُكْبتيْكَ المرتجِفتينِ كما المُستغيثِ بهما؟
هل أفرَغتَ جُعبةَ عُمرِكَ من السنواتِ أم أنّكَ تنوِي المُكوثَ هنا كثيراً ؟
أتُراكَ ستُشعِلُ شمعةَ عامِكَ السَّادسِ والسبعين على هذا السريرِ المُصابِ بِعَدْوى كُهولتِك؟
"سِتَّةٌ وسبعون" رقمٌ ما إنْ أصابَ مسامعَ ديفيد حتّى نزلَ على جسدِهِ اختلاجاتٍ هزّتْ حنجرتَهُ بِرَعشاتٍ ليَصدَحَ صُراخُهُ مدوّياً في المكان، يُدافِعُ بقدميْهِ الأرضَ فيرتَطِمَ ظهرُهُ بحائِطٍ أدْمَتْهُ أعوامُ التاريخ مخلّفةً فيهِ دمغةً برقمِ (٢٠٠٢) :
_نعم ،نعم ، أنا المُعتقلُ ستّةٌ وسبعون سيّدي، أرجوكَ أن تسمحَ لي بِلَعْقِ حذائكَ ستٌّ وسبعون مرَّة وأخْبِرْ كلبَك "رِكْس" بأنْ يلتَزِمَ مكانَهُ خارِجَ الزِّنزانةِ دونَ أن يبرَحَه إلى جَسدي الذي ما انفَكّ ينزِفُ منذ الأمسِ، حتّى لم يبقَ فيه ما ينهشهُ فيملَأُ به معدتهُ. 
_يبدُو أنّهُ قد آنَ الأوانُ لتقييدكَ وحقْنِ أورِدَتِكَ بالمُهدّئاتِ علّ صمتَك يُعينُ أولئكَ العجزةِ على النوم.
_إرحَلي، لا تقترِبي، أخشى أنْ يرانا أحدُهُم، هلْ تقتربينَ منّي وأنا العاري جسداً وروحاً؟ كيفَ سأُقنِعُهُم أنّي لم أكُنْ أنْوي اغتصابَكِ كما فعلوا بي؟
آثارُ أقدامِهم لازالتْ تُكحِّلُ بطني، تَقَيّأتُ كرامَتِي ولمْ أتَمكَّنَ من عدِّ تِلْكَ الرّكَلاتِ، كيفَ سأشرَحُ لهم أنّهُ ازرِقاقُ وشْمِ الذُلِّ في ذاكرةِ جسَدي.
تردّدَ صدى تلك الكلماتِ المُنهَكَةِ ذُعراً قبلَ أنْ يَغُطَّ ديفيد في سُباتٍ عميقٍ عقيم.
_إنهَضْ أيُّها الكهْل، حانَ موعدُ استحمامِك، أرجُو ألَّا تُرِني شحوبَ تكشيرَتِك وألَّا تُعلِمني باستِيائِك من بُرودَة الماء، هيّا انهَضْ على الفور.
تَكْفَهِرُّ ملامحُ وجهِ ديفيد، تملأُ المشهدَ أمام عينيها،  يستَحيلُ زمهريرَ روحِهِ قبضةً تنقَضُّ على عُنقِ إيميلي: 
_سأقتُلكِ، سأقتلكِ إن رشقْتِ جسدي بالماءِ البارد ثم انهلْتِ علَيَّ بِسياطِكِ ضَرباً،إنْ لمْ يذَرْ بطشُكِ فيه مكاناً دون أذى ولم يُبْقِ فيّ سليماً.
أدارَ بقبضتِهِ _التي كادَتْ تقطعُ أوْدَاجَها_ عنقَها مُرغِماً نظَرَها على التقاطِ بضْع كلماتٍ حُفرتْ في الجدار حيثُ استقرتْ بقعةُ الضوء :

عارٌ عَلَى الجِدَارِ كتبتُ مُندِّداً
            بقضيّةٍ فيهَا الظَّالِمُ قد عَرْبَدَ
ما كانَ في الخلْقِ لي مُنصِفاً
            مِن جَوْرِ ذُلٍّ بالأغْلالِ تَأَبَّدَ

استغاثاتُ إيميلي كانتِ السَّبيلَ الوحيدَ لنجدتِها من موتٍ كان محتماً.
يقطعُ تلك الصرخاتِ ظلامُ أطبقَ على عَينيْ ديفيد رُوّسَ ببضعِ كلماتٍ وُضِعنَ قابَ قوسيْن:

" مذكّرةٌ رئاسيّةٌ: لا يخضَعُ مُعتَقَلي تنظيمِ القاعدةِ ومُقاتِلي الأعداءِ لاتفاقيّاتِ جنيف، لكن ينْبَغي معاملة المعتقلين بطريقةٍ إنسانيّة" !

                                    جنوب شرق كوبا
                                  "خليج غوانتانامو"


الإبتساماتإخفاء